الشيخ محمد صاعد رازي(1*)
الخلاصة:
تبحث هذه الدراسة في مسألة ملكية ماء البئر، وهي من القضايا الفقهية المعقّدة التي تشكّل تقاطعًا بين الحقّ الفردي والحقّ العام في الموارد الطبيعية. وتُعدّ هذه المسألة ذات حضور متكرّر في التطبيقات الفقهية المعاصرة، كالزراعة، والوقف، والإجارة، وضمان المنفعة.
والهدف من البحث هو بناء رؤية فقهية متكاملة حول طبيعة ملكية ماء البئر، من خلال تحليل الآراء الفقهية، ومناقشة الروايات ذات الصلة، وفحص القواعد الأُصولية والحقوقية المؤثّرة. وقد اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي المقارن، وذلك عبر استقراء الفتاوى في المدرستين الإمامية والسنّية، وتتبع دلالات الروايات، وتقويم الأدلة الفقهية مع مراعاة العرف والعقل الجمعي.
وخلصت الدراسة إلى أنّ الرأي السائد لدى فقهاء الشيعة وبعض أهل السنة هو ثبوت الملكيّة لماء البئر، بينما يميل الآخرون من فقهاء أهل السنّة إلى إنكار هذه الملكيّة. وقد نتج هذا التباين عن وجود روايات وأدلّة ذات طابع مناهض للملكيّة المطلقة، مما أوقع الفقهاء في ازدواجية التعبير بين مفاهيم التملّك وحقّ الانتفاع. وقد انتهى البحث إلى أربع نتائج محورية تُشكّل معًا صورة فقهية متّزنة:
1ـ الأصل في الموارد الطبيعيّة هو عدم التملّك، وهي من الحقوق العامة للأُمة.
2ـ الحيازة الفعلية داخل البئر تُنتج ملكية شرعية حتى لما زاد عن الحاجة.
3ـ في موارد خاصة، يسقط حقّ المالك في المنع بحكم التعليل الشرعي.
4ـ توجد دعوة أخلاقية غير مُلزِمة لبذل الماء الفائض والتعاون العام.
وبذلك، تُقدِّم المقالة صورةً شاملةً تتجاوز التعارضات الجزئية، وتُعيد تركيب المسألة ضمن منظومة شرعيّة تُوازن بين التملّك الخاصّ والحقّ العامّ.
الكلمات المفتاحية: ملكية ماء البئر؛ الحيازة؛ الموارد الطبيعية؛ الحق العام؛ الحق في الانتفاع؛ فضل الماء؛ التكافل الاجتماعي.
المقدمة
من الأسئلة الجوهرية في فقه الموارد الطبيعية مسألةُ ملكية ماء البئر: هل يُمكن أن يُملَك الماء الموجود داخل البئر ملكيةً خاصة أم لا؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال لا يؤثر فقط في تحديد مسألة فقهية جزئية لماء البئر في الفقه الإسلامي، بل له أيضاً آثار واسعة على العديد من الفروع الفقهية في مجالات كالزراعة، والشرب، والإجارة، والوقف، والضمان، والتعدّي. ومن ثمّ، فإنّ دراسة الأساس الفقهي لامتلاك ماء البئر أو عدم امتلاكه، من الناحية النظرية والعملية، تُعدّ ضرورة لا غنى عنها، ويمكن أن تؤدي دوراً مهمّاً في تقديم فتاوى دقيقة ومواكبة للقضايا المستجدّة في هذا المجال.
السؤال المحوري لهذا البحث هو: هل توجد ملازمة بين ملكية البئر وملكية الماء الموجود فيه؟ وبعبارة أُخرى: هل يُعدّ من حفر البئر أو امتلكها مالكاً لمائها بالضرورة، أم أنّه يتمتّع فقط بنوع من أولوية أو حق انتفاع في الاستفادة منه؟
وللإجابة عن هذا السؤال، تمّ أولاً بيان حالة التذبذب والاضطراب في الرؤية الفقهية عند فقهاء الإمامية وأهل السنّة تجاه هذه المسألة. ثمّ تمّ تناول الإشكالات والملاحظات الروائية والفقهية التي دفعت بعض الفقهاء إلى تبنّي نظرية عدم الملكية. وبعد ذلك، عُرضَت أدلّة القائلين بملكية ماء البئر وتمّت مناقشتها ونقدها بدقّة.
وفي الختام، قدّم الباحث تصوراً منهجياً وشاملاً للموقع الفقهي لماء البئر، تميّز باحتوائه على تفسير الأدلّة والتحليلات المطروحة كافّة، وهو يُتيح في الوقت نفسه الجمع بين الروايات التي تبدو متعارضة. كما خُتِم البحث بتوصيات عملية موجّهة إلى الباحثين والمراكز الفقهية ومجالس الإفتاء بشأن ضرورة إعادة النظر وتنظيم هذه المسألة في منظومة الفقه المعاصر.
رأي الفقهاء حول ملكية ماء البئر
رؤية فقهاء الإمامية
عند النظرة الأُولى في الفقه الإمامي، يظهر وجود اتفاق بين الفقهاء على أنّ من حفر بئراً في ملكه الخاص أو في أرض مباحة بقصد التملّك، وبلغ الماء، فإنّه يملك ـ إضافة إلى البئر ـ الماءَ الموجودَ فيها. وهذه الرؤية تُعدّ من المباني المشهورة، بل والمجمع عليها، في المصادر الفقهية المعتمدة عند الإمامية. وقد صرّح بها على أنها مذهب الإمامية في مصادر كـ(السرائر) و(التذكرة)، وعلى أنها مذهب الأصحاب في (المسالك) و(الكفاية)، وعلى أنها القول الأصحّ عند الشيخ الطوسي وأصحابه في (جامع المقاصد)، وأخيراً ذُكرت بعنوان القول المشهور في (مفاتيح الشرائع)(2). كما أنّ صاحب (جواهر الكلام) ـ بالإضافة إلى اعتباره هذا القول مشعراً بالإجماع بين الأصحاب ـ يدّعي أنّ السيرة المستمرة أيضاً كانت على هذا النهج(3).
غير أنّ ما يُعكّر صفوَ هذا التصوّر الواضح والمستقرّ، هو أنّ فقيهاً عظيماً كالشيخ الطوسي، رغم تصريحه في بادئ الأمر ـ كما هو رأي المشهور ـ بملكية الحافر لماء البئر، وإعلانه صراحة أنّ هذا القول «قولٌ صحيحٌ»؛ لأنّ الماء نماءٌ في ملكه، ومن قبيل المعادن الظاهرة(4)؛ إلّا أنّه ما يلبث أن ينقل عبارة ذات ظاهر مختلف، بل مناقض في بادئ الرأي للأساس الذي قرّره قبل ذلك.
فقد كتب رحمه الله: «فكل موضع قلنا إنه يملك البئر فإنه أحقّ من مائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقى زروعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم... فأمّا لسقي زرعه فلا يجب عليه ذلك، لكنه يستحب»(5).
في هذه العبارة، نجد أنّ أدبيات (الملكية) قد استُبدلت بتعبير (أحقّ به)، كما نصّ صراحة على وجوب بذل الماء الفائض لشرب الآخرين ودوابهم. ومعلومٌ أنّ وصف (الأحقّية) يشير إلى مجرّد أولوية في الانتفاع، لا إلى ملكية تامة، كما أنّ إلزام المالك ببذل الفائض يتعارض ـ على ما يبدو ـ مع روح الملكية الخاصة.
وقد تنبّه صاحب جواهر الكلام إلى هذا التهافت، وأبدى ملاحظة بشأنه عند نقله لكلام الشيخ، حيث قال: «لكن عن الشيخ في المبسوط بعد أن ذكر الملكية على نحو ما ذكرها الأصحاب أنه قال: كل موضع قلنا إنه يملك البئر...»(6). كما عدّ بعض الباحثين المعاصرين موقف الشيخ الطوسي موقفاً مضطرباً(7).
ومن مجموع هذه القرائن يظهر أنّ الشيخ الطوسي كان يميل إلى مواكبة المسار العام لفقه الإمامية في تبنّي القول بالملكية، إلّا أنّه في الوقت ذاته واجه إشكاليات فقهية تتعلّق بوجوب البذل وحق العموم في الانتفاع بالماء، الأمر الذي دفعه إلى نوع من التوفيق والتأليف بين المبدأ الأول وما يتفرّع عليه من لوازم فقهية، فاختار ألفاظاً كالـ(أحقّية) بدلاً من الاستمرار في استخدام مصطلحات الملكية.
لم يتوقّف هذا الإشكال والتردّد عند الشيخ الطوسي، بل استمرّ بعده، حيث سعى بعض الفقهاء إلى التوفيق ـ ولو جزئياً ـ بين القول بملكية الماء من جهة، ومبدأ الانتفاع العام منه من جهة أُخرى(8).
ولا يزال السؤال قائماً: ما الذي كان يدور في ذهن الشيخ الطوسي قدس سره حين عبّر عن هذا الموقف واتّخذ هذا المنحى في كلامه حول ماء البئر؟ فهل يمكننا اليوم أن نعيد قراءة كلماته ونوفّق بينها بطريقة تُظهر الانسجام وتزيل التعارض والتهافت الظاهري؟
ومن بين المتأخّرين، اتّخذ الشهيد السيد محمد باقر الصدر موقفاً متميّزاً في هذا السياق؛ إذ إنه في تحليله لمسألة ملكية المياه الجوفية، ميّز بشكل واضح بين المادة الطبيعيّة المستورة في باطن الأرض، وبين الماء المستخرج بفعل الإنسان. فبرأيه، إنّ الماء الجوفي ما دام مستتراً في الأرض، لا يُعدّ مملوكاً لأحد، بل يُصنّف ضمن المشتركات العامة، فلا يحقّ لأيّ فرد أن يحتكرها أو يمنع الآخرين من الوصول إليها من دون بذل جهد وعمل فعلي لاستخراجها.
أمّا إذا قام شخصٌ ما بحفر بئر، وبذل جهداً لاستخراج مائه، فإنّ له نوعاً من الأولوية في الانتفاع به، لا بسبب تملّكه للمادة الطبيعيّة، بل بسبب خلقه لفرصة الاستفادة منها. ولهذا، يحقّ له منع الآخرين من مزاحمته والاستفادة من الماء ما دام بحاجة إليه. وتُعتبر هذه الأولوية بمثابة «حيازة خاصّة»، إلّا أنّها لا تُفضي إلى ملكيّة ما لم تُنتزع المادّة الطبيعيّة من مكانها وتُحاز.
ومع ذلك، يؤكّد الشهيد الصدر أنّه إذا سدّ الشخص حاجته من الماء، فلا يجوز له بيع الفائض منه أو منع الآخرين من الوصول إليه؛ لأنّ الماء ـ بوصفه مادّة طبيعيّة ـ لا يزال ضمن دائرة الملكيّة العامة، وبيعه يُعدّ تجاوزاً على حقوق الناس. وفي هذا السياق، يستشهد برواياتٍ واردة عن النبيّ الأكرم9 تنهى عن بيع (النطاف) و(الأربعاء)، وهي روايات تدلّ على أنّ من استوفى حاجته من الماء، فعليه إعارته إلى الجار أو المحتاج، لا أن يطلب ثمناً مقابله(9).
أمّا إذا استخرج الشخص الماء من البئر وجمعه في أوعية أو موارد خاصّة، كالدلو، أو الجرّة، أو البركة، أو خزانٍ شخصي، فقد انفصل بذلك عن المادة الطبيعيّة، وصار مملوكاً له على وجه التمليك الكامل. وفي هذه الحالة، لا يلزمه بذل ما زاد منه بلا عوض؛ لأنّه لم يعُد مشمولاً بمفهوم (المادّة العامّة الطبيعيّة)(10).
رؤية فقهاء أهل السنة
السياق الغالب في فتاوى فقهاء أهل السُنّة يشير إلى أنّ المياه الموجودة في الآبار الخاصّة لا تخرج تماماً من دائرة الإباحة العامّة، كما أنّها لا تدخل فيها بشكل مطلق. بمعنى أنّه وإن حُفِرت البئر في ملك خاصّ وتعود من حيث المكان إلى شخص بعينه، إلّا أنّ ارتباط ماء البئر ـ في غالب الأحوال ـ بالتيارات الجوفية العامة يثير شبهة في مسألة الإباحة. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ الحاجة المستمرة للإنسان إلى الماء لشربه وشرب دوابه ـ وهو ما يُعبَّر عنه عند الفقهاء بـ(حقّ الشَّفَة) ـ ساعدت في توسعة هذه الشبهة. ومع ذلك، فهذه الإباحة تبقى محدودة في نطاق (حقّ الشفة)، ولا تشمل سائر أنواع الانتفاع كالسقي الزراعي (حقّ الشرب).
وقد اختلفت آراء الفقهاء حول ملكية ماء آبار المنازل والأراضي الخاصّة، ومدى ثبوت حقوق للآخرين فيها. وبالإجمال، يمكن تقسيم هذه الآراء إلى اتجاهين رئيسين:
الاتجاه الأول: التمييز بين ملكية البئر وماء البئر
يرى أصحاب هذا الاتجاه وجود فرق بين ملكية البئر وملكية الماء الذي فيها، ويُثبتون للآخرين حقّاً في الانتفاع بالماء، ولو كانت البئر في ملكٍ خاص. ووفقاً لأحد الأقوال لدى الحنفية، فإنّ هذا الحق ثابت إذا لم يجد الشخص ماءً مباحاً غير محروز قريباً منه، حتى لو لم يكن ماء البئر زائداً عن حاجة المالك. غير أنّ أكثر مشايخ الحنفية قصروا هذا القول على الحالة التي يزيد فيها الماء عن حاجة صاحب البئر(11).
وهذا الاتجاه هو أيضاً قول مشهور عند الحنابلة، فهم يرون أنّ البئر لا تقتضي في ذاتها تملّك الماء، وإنّما الملك يختصّ بالأرض التي حُفرت فيها البئر، لا بالماء الخارج منها؛ لأنّ بقاء (حقّ الشفة) أمر ضروري، ويستدلّون في ذلك بحديث النبي9: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»(12).
وفي المذهب الشافعي، وإن لم يكن هذا القول مشهوراً، إلّا أنّ هناك رأياً غير مشهور يدلّ على ثبوت حقّ عام في ماء البئر. وكذلك في فقه المالكية، يُطرَح هذا الرأي بالنسبة إلى الآبار الواقعة في الأراضي غير المحوّطة أو المفتوحة ـ دون آبار المنازل والبساتين المحوّطة ـ مع أنّ هذا القول ليس مشهوراً عندهم. وقد قبله ابن رشد بشرط عدم تضرّر المالك من دخول الآخرين، أي أنّه إذا لم يتضرّر المالك من دخول الناس إلى موقع البئر، جاز تصور حقٍّ للناس في الانتفاع بمائها(13).
الاتجاه الثاني: عدم التمييز بين ملكية البئر وماء البئر
في مقابل الاتجاه الأول، يرى الاتجاه الثاني أنّه لا حقّ للغير في ماء البئر، وأنّ الماء كسائر أجزاء البئر يقع في ملك صاحبه بالكامل. وهذا القول له أنصار في المذاهب السنية. وبحسب هذا الرأي، الذي يُنسب أيضاً إلى بعض الحنفية، فإنّ من ثبتت له ملكية البئر، فله أن يمنع الآخرين حتى من (حقّ الشفة). وقد نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل ما يدلّ على هذا الرأي.
وفي الفقه المالكي، يُعدّ هذا القول هو الغالب، خاصة فيما يخصّ آبار المنازل والبساتين المحوّطة، بل هو مشهور لديهم أيضاً في سائر الأراضي المملوكة.
كما أنّ الشافعية، في حال ثبوت ملكية العين أو حفرها بنيّة التملّك، يُثبتون الاختصاص الكامل لصاحبها، ويُجيزون له بيع الماء؛ لأنّه يُعدّ في هذه الحالة (محروزاً) وداخلًا في حيازته التملّكية(14).
خلاصة الآراء الفقهية
تُظهر مراجعة الفتاوى الفقهية في المدرستين الإمامية وأهل السُنّة أنّ مسألة العلاقة بين ملكية البئر ومائها كانت محلّ تحدٍّ فقهي عميق؛ إذ إنّ مقتضى القاعدة الفقهية يقتضي ـ من جهة ـ إثبات ملكية البئر ومائها للحافر أو صاحب الأرض، غير أنّ الضرورات المرتبطة بالحقوق العامّة في الانتفاع من الموارد الحيوية، كالماء، كانت ـ من جهة أُخرى ـ تحول دون قبول الملكية المطلقة وسلب جميع الحقوق عن الآخرين.
في الفقه الإمامي، وإن كان الرأي المشهور ـ بل المجمع عليه ـ هو أنّ من يحفر بئراً في أرض مباحة أو في ملكه الخاص، فإنّه يملك الماء فیها، وتُعدّ هذه الملكية من نماءات الملك، إلّا أنّ هذا النظام الفقهي نفسه، عند تعامله مع مسألة وجوب بذل الماء الزائد، والتأكيد على (حقّ الشفّة) للعامة، وخصوصاً في كلام الشيخ الطوسي، يكشف عن نوع من الازدواج في التعبير والمضمون؛ حيث يتمّ الانتقال من لغة الملكية إلى أدبيات (الأحقّية) ووجوب البذل.
أمّا في فكر المعاصرين، فقد سلك الشهيد السيد محمد باقر الصدر مساراً مختلفاً، إذ يرى أنّ المادة المائيّة الجوفيّة تعود إلى عموم الناس، ولا يملكها أحد، إلّا أنّ من يقوم باستخراجها بعمله يُمنح حقّ أولوية في الانتفاع بها. ويستمر هذا الحقّ ما دام صاحب البئر بحاجة إلى الماء، أمّا الزائد عن حاجته، فيجب أن يُبذل للآخرين مجاناً، ما لم يُحفظ في وعاءٍ خاص، ففي هذه الحالة يُعدّ مالكاً له على وجه الخصوص.
وفي فقه أهل السُنّة، يُلاحظ موقف مشابه إلى حدٍّ كبير؛ فمع أنّ بعض المذاهب قد أقرت بتمام ملكية ماء البئر لصاحبها، إلّا أنّ طائفةً أُخرى ميّزت بين ملكية البئر ومائها، وأثبتت لغير المالك حقاً في الانتفاع، على الأقل في حدود (حقّ الشفّة). ويستند هذا الاتجاه إلى أحاديث تدعو إلى المشاركة العامة في الموارد الطبيعيّة، بالإضافة إلى اعتبارات اجتماعية وحقوقيّة.
وعند إجراء خلاصة مقارنة، يُمكن القول إنّ الفکرة الأوليّة في كلا المدرستين الفقهيتين تميل إلى إثبات الملكية التامّة لصاحب البئر، غير أنّ هذه الملكية ووجهت بعوائق واقعية وحقوقية، أبرزها ضرورة صون الحقّ العام في الانتفاع الحيوي بالماء. وقد أدّى ذلك إلى بروز حالات من التردّد والازدواج داخل كل من النظامين الفقهيين، إلى حدٍّ لم يُمكّنهما من تقديم صيغة حاسمة وغير متعارضة تجمع بين «إثبات» الملكية الخاصة و«استمرار» الحقوق العامة بصورة متّزنة.
التحدّيات الروائيّة حول ملكيّة ماء البئر
في بداية البحث حول ملكيّة ماء البئر، نواجه طائفةً من النصوص الروائيّة التي يظهر تعارض ظاهرها مع أصل تملّك الماء، أو مع خصوص تملّك ماء البئر. وفيما يلي نعرض لأهمّ هذه الطوائف من الروايات، مع عرض تقريبٍ فقهي لكلٍّ منها:
أوّلاً: الروايات الناهية عن منع الوصول إلى الماء
وردت في بعض المصادر الحديثيّة لأهل السنّة مجموعةٌ من الأحاديث تنهى صراحةً عن منع الآخرين من الوصول إلى الماء. والمضمون المشترك لهذه الروايات هو أنّ بعض الموارد الطبيعيّة، كالماء والنار والملح والمراعي، لا يجوز أن تكون بيد شخصٍ خاصّ بحيث يُحرَم سائر الناس من الانتفاع بها. وغالباً ما جاءت هذه الروايات في سياق الجواب عن سؤال: ما الذي لا يحلّ للرجل أن يمنع عنه غيره؟
فيُذكر الماء بوصفه أحد أبرز المصاديق في الجواب.
وعلى الرغم من أهميّة هذه الروايات في إثارة مسألة ملكيّة الماء، إلّا أنّ اللافت في هذا السياق هو أنّ جميع هذه الأحاديث، بحسب ما توصّل إليه البحث، وردت في مصادر الحديث السنيّة حصراً، ولا يُوجد في كتب الرواية الإماميّة نصّ مطابق لها في المضمون بالضبط.
وفيما يلي، سيتمّ عرض نُصوص هذه الروايات، مع توثيق مصادرها ومناقشة دلالاتها بإيجاز.
عرض تفصيلي للروايات
رواية أبي هريرة: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله9 قال:«ثلاث لا يمنعن: الماء، والكلأ، والنار»(15).
رواية بهيسة: قالت: استأذن أبي النبيّ9 فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبّل ويلتزم. ثم قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الماء». قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الملح». قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «أن تفعل الخير خير لك»(16).
رواية عائشة: قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «الماء والملح والنار». قالت: قلت: يا رسول الله، هذا الماء قد عرفناه، فما بال الملح والنار؟ قال: «يا حميراء؛ من أعطى ناراً فكأنما تصدق بجميع ما أنضجت تلك النار، ومن أعطى ملحاً فكأنما تصدق بجميع ما طيب ذلك الملح، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة، ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها»(17).
روایة أنس بن مالك: قال: قال رسول الله9: «خصلتان لا يحل منعهما: الماء والنار»(18).
روایة عبدالله بن سرجس: قال: أتيت النبيّ9، فدخلت بين قميصه وجلده، فقبلت منه موضع الخاتم. فقلت: ما الذي لا يحل منعه؟ قال: «الملح». قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «الماء والنار»(19).
دراسة دلاليّة للروايات على نفي الملكيّة
يُستفاد من هذه الروايات، في النظرة الأُولى، دلالةٌ التزامية على نفي الملكية. فإنّ استعمال تعابير من قبيل: (لا يَمنَعن) ـ حيث يُستفاد منها إنشاء الحكم لا الإخبار ـ وكذلك (لا يحلّ منعهما) كما ورد في الروايات السابقة، يدلّ بوضوح على حرمة منع الآخرين من الانتفاع بالماء. وهذا المدلول الشرعي يكشف ـ على نحو التزامي ـ عن نفي وجود حقّ الملكيّة بالنسبة للماء.
وتقرير الاستدلال على النحو التالي: لو كانت هناك ملكية حقيقية للماء، لكان من مقتضى هذه الملكيّة أن يتمكّن المالك من منع الغير من التصرّف أو الانتفاع؛ إذ إنّ منع التصرف من الآثار الطبيعية والبدهيّة للملكيّة. غير أنّ ظاهر الروايات ـ التي تفيد حرمة هذا المنع ـ لا ينسجم مع فرض وجود الملكية، وبالتالي فإنّ نفي جواز المنع يُعدّ كاشفاً عن نفي أصل الملكيّة.
ومن حيث الموضوع، فإنّ الرواية ذات إطلاق، إذ تجعل (الماء) بطبيعته موضوعاً للحكم دون تقييد. إلّا أنّ حجّيّة هذا الإطلاق محلّ تأمّل؛ لأنّه يعارض الإجماع الصريح للأُمّة الإسلامية. ذلك أنّ ثمة موارد للماء يجوز تملّكها قطعاً، كالماء الذي يحوزه الإنسان ويقصد استخدامه في الشرب أو الزراعة. ومع ذلك، فظاهر الرواية يفيد الإطلاق، بالنظر إلى سيَاقها القاعديّ والكلّي، وإلى مرافقة الماء للملح والنار وسائر الموارد الطبيعية، ممّا يشير إلى شمول الحكم لجميع أنواع الماء.
وعلى هذا، يمكن القول بأنّ الحكم المستفاد من هذه الروايات يُبنى على قاعدة أوليّة مفادها: (الأصل في الماء عدم الملكية)، إلّا إذا خرج بعض المصاديق بدليل خاصّ.
وبناءً على ما تقدّم، يمكن تلخيص الموقف كما يلي: إنّ ظاهر بعض الروايات التي وردت بتعابير من قبيل: (لا يمنعن) و(لا يحلّ منعهما) يدلّ على عدم جواز منع الآخرين من الانتفاع بالماء، ويُستفاد من هذا الحكم ـ بالتزام ـ نفي الملكيّة. كما أنّ إطلاق الموضوع في الرواية يشمل طبيعة الماء بشكل عام، وإن كان هذا الإطلاق قابلاً للنقاش استناداً إلى قرائن فقهيّة أُخر، كالإجماع. ومع ذلك، يمكن اعتبار هذا الإطلاق قاعدةً أوليّة يُرجع إليها في موارد الشكّ في الملكيّة.
مناقشة نقدية لدلالة الروايات
تواجه دلالة هذه الروايات إشكالين أساسيّين:
الأوّل: احتمال قويّ بأنّ النهي الوارد في الروايات لا يحمل دلالة فقهية على التحريم، بل هو محمول على البعد الأخلاقي.
الإشكال الثاني: أنّه حتى مع التسليم بدلالته على الحرمة، فلا يلزم من ذلك نفيُ الملكيّة.
أمّا الاحتمال الأوّل، فيتأكّد بالنظر إلى أنّ الروايات قد ذكرت الماء إلى جانب النار والملح، مع أنّه لا خلاف بين الفقهاء ـ بل ولا في سيرة المتشرّعة ـ في جواز تملّك الملح وبيعه وشرائه، بل إنّ التعامل التجاري به كان ولا يزال رائجاً بين المسلمين. وهذا الاقتران يُعدّ قرينة على أنّ الغرض من الرواية هو التنبيه الأخلاقي والتوصية بالإحسان، لا تأسيس حكمٍ فقهيّ في باب الملكيّة. وتُعزّز هذا المعنى رواية بهيسة، حيث قالت: «قال: يا نبيّ الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: «أن تفعل الخير خير لك». وهذه العبارة تدلّ بوضوح على أنّ المراد بـ «عدم حِلّية المنع» هو التشجيع على فعل الخير، لا التحريم بمعناه الفقهي.
وأمّا الإشكال الثاني، فهو أنّه حتى مع فرض دلالة الرواية على الحرمة، فإنّه لا ملازمة بين حرمة المنع ونفي الملكيّة. فإنّه من المعلوم أنّ من حقوق المالك منع الآخرين من التصرّف في ملكه، لكن هذا الحقّ ليس مطلقاً ولا دائماً بالضرورة، بل يمكن أن يُقيَّد في بعض الموارد لمصالح راجحة، من غير أن يُسقط ذلك أصل الملكيّة. ومن أبرز الأمثلة على سلب بعض حقوق المالك: حقّ (المارّة)، حيث تكون الشجرة وثمارها مملوكةً لصاحبها، ومع ذلك يجوز للعابر أن ينتفع من ثمارها، ولا یحتاج هذا التصرف إلى استئذان. وهذا يدلّ بوضوح على أنّ تحريم المنع لا يستلزم نفي الملكيّة، بل قد يكون مجرّد تقييد لبعض شؤون الملكيّة، لا إلغاءً لها من الأساس.
الخلاصة والنتيجة
بناءً على ما تقدّم، فإنّ دلالة هذه الطائفة من الروايات على الحرمة الفقهية في منع الآخرين من الماء تبقى محلّ تأمّل، وذلك لاحتمالٍ قويّ في كونها واردة في سياق أخلاقي لا فقهي. ويعضد هذا الاحتمال اقتران الماء بموارد كالنار والملح، إضافةً إلى التصريح في بعض الروايات، كحديث بهيسة: «أن تفعل الخير خير لك»، وهي قرائن واضحة على أنّ النهي ناظر إلى البعد الأخلاقي.
وفوق ذلك، فإنّه حتى مع التسليم بظهور الرواية في الحرمة الفقهية، لا يُمكن البناء على نفي الملكيّة استناداً إليها؛ إذ توجد في الفقه موارد يُسلب فيها بعض آثار الملكيّة مع بقاء أصل الملك، كما في مسألة (حقّ المارّة)، حيث تثبت الملكيّة لصاحب الشجرة، مع ذلك لا یحتاج التصرف من أيّ استئذان. وعليه، فإنّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الروايات هو وجود تقييد في ممارسة بعض شؤون الملكيّة، لا نفي الملكيّة من أصلها.
ثانياً: الروايات الناهية عن منع فضل الماء
ورد في بعض الروايات تصريحٌ بأنّه لا يجوز للإنسان أن يمنع غيره من الماء الزائد عن حاجته. وتُشابه أدبيّات هذه الروايات ما ورد في الطائفة السابقة، غير أنّ الفرق الأساس هو أنّ الحكم في هذه الروايات لا يتعلّق بطبيعة الماء مطلقاً، بل يختصّ بـ(الكمّيّة الزائدة) عن حاجة الشخص.
عرض تفصيلي للروايات
- رواية أبي هريرة الأُولى: «لا يُمنَع فضلُ الماءِ ليُمنَعَ به الكلأ»(20).
- رواية أبي هريرة الثانية: عن النبيّ ﷺ قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدقه رجل. ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾»(21).
- رواية أبي هريرة الثالثة: قال رسول اللهﷺ: «لا يُمنَعْ فضلُ ماءٍ بعد أن يُستغنى عنه، ولا فضلُ مرعى»(22).
- رواية عبد الله بن عمرو وابن أبي جمهور:
عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ عن النبيﷺ قال: «من منع فضل مائه وفضل كلئه، منعه الله فضله يوم القيامة»(23).
اِبْنُ أَبِي جُمْهُورٍ فِي دُرَرِ اَللآلِي، عَنِ اَلنَّبِيِّ9 أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ اَلْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ اَلْكَلأَ مَنَعَهُ اَللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ»(24).
- رواية سعد بن أبي وقاص: قال: قال رسول اللهﷺ: «من منع فضل ماء منعه الله فضله يوم القيامة»(25).
- رواية عبادة بن الصامت: قال: إنّ من قضاء رسول اللهﷺ: «...وقضى بين أهل البادية أن لا يُمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلأ»(26).
- رواية عائشة: قالت: قال رسول اللهﷺ: «لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقع البئر»(27).
- رواية واثلة بن الأسقع: قال رسول اللهﷺ: «لا تمنعوا عباد الله فضل الماء والكلأ ولا ناراً، فإنّ الله جعلها متاعا للمقوين وقوة للمستضعفين»(28).
- رواية سمرة بن جندب: أنّ رسول اللهﷺ قال: «لا يقطع طريق، ولا يمنع فضل ماء، ولا ابن السبيل عارية الدلو والرشا والحوض إن لم يكن أداه بعينه، ويخلى بينه وبين الركية يسقي، ولا يمنع المحفر إذا نزل الحافر خمسة وعشرين ذراعا عطنا للماشية»(29).
- رواية عقبة بن خالد: محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله7 قال: «قضى رسول الله9 بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء، وقضى9 بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء. وقال: لا ضرر ولا ضرار»(30).
- رواية الشيخ الصدوق: وقَضَى7 فِي أَهْلِ الْبَوَادِي أَنْ لَا يَمْنَعُوا فَضْلَ مَاءٍ ولَا يَبِيعُوا فَضْلَ الْكَلَإِ(31).
دراسة دلاليّة للروايات على نفي الملكيّة
تدلّ هذه الطائفة من الروايات أيضاً ـ من خلال الملازمة بين حرمة منع الآخرين وعدم الملكيّة ـ على نفي الملكيّة بدلالة التزامية. وعليه، فإنّ الخطوة الأُولى تتمثّل في إثبات حرمة المنع، ثم تُستفاد من ذلك الملازمة التي تؤدّي إلى نفي الملكيّة.
وقد وردت في هذه الروايات تعابير متنوّعة تُقوّي ظهورها في الحرمة، وتُعزّز دلالتها على الإلزام الشرعي، كالتعبير بـ «لا يمنع»، وهو خبر أُريد به الإنشاء، ويُعدّ أُسلوباً أبلغ في بيان المنع الإلزامي، وكذلك صيغة النهي في «لا تمنعوا»، والتهديد الوارد بعبارة: «ولهم عذاب أليم»، وهو تصريح واضح بالحرمة. ويُضاف إلى ذلك ما ورد في رواية أبي هريرة، حيث قُرن منع فضل الماء ببيع البيعة الدنيوية وخداع السوق، وهو ما يُعدّ قرينة قويّة على حرمته.
كما تُعزّز دلالة هذه الروايات على الإلزام، رواية عبادة بن الصامت من طرق أهل السنة، ورواية عقبة بن خالد من طرق الإمامية، لما فيهما من بيان قضاء النبيّ9 في هذا الموضوع، وهو ما يدلّ على الإلزام، لأنّ القضاء النبوي لا يُناسب الأحكام الإرشادية أو غير الملزمة، بل يختصّ بالأحكام التي تُلزم بها الأُمّة.
ومع ذلك، فقد وردت في روايات أُخر تعابير تشير إلى نوع من التلازم الفاسد ذي الطابع الإرشادي، كحرمان مانع الماء من فضل الله يوم القيامة. وهذه الروايات أقرب إلى السياق الأخلاقي من أن تُحمَل على الحرمة الفقهية؛ لأنّ الحرمة الفقهية ـ خاصة عند اقترانها بالعقوبات الدنيوية أو الأُخروية ـ تقتضي وعيداً أشدّ من مجرد الحرمان، ومن المتوقّع حينئذٍ استعمال تعبيرات كـ (عذاب شديد) أو نحوها.
غير أنّه، من جهة غلبة وكثرة الروايات ذات الظهور في الحرمة، ومن جهة أُخرى، كون ذِكر تالٍ فاسد معين (كحرمان الفضل)، لا ينفي وجود توابع أُخر (كالعذاب)، يُتيح إمكانية استظهار الحرمة من مجموع هذه الروايات.
وفي المرحلة الثانية، أي بعد إثبات الحرمة، تثبت الملازمة بين نفي الجواز ونفي الملكيّة، كما تقرّر سابقاً، إذ إنّ من لوازم الملكيّة إمكان المنع، فإذا ثبت أنّه لا يجوز لصاحب الماء الزائد أن يمنع غيره من الانتفاع، فذلك يكشف عن أنّ هذا الفضل من الماء ليس مملوكاً له ملكيةً شرعيّة.
مناقشة نقدية لدلالة الروايات
مما يُحسب لهذه الطائفة من الروايات أنّ ظهورها في الحرمة والحكم الإلزامي أقوى من الطائفة السابقة، وقد سبقت الإشارة إلى الشواهد التي تعزّز هذا الظهور، فاستُظهر منها بوضوح حرمة منع الآخرين من فضل الماء.
لكن ثمّة احتمالاً فقهياً، وهو أنّ هذا الحكم لا يمثّل حكماً شرعياً ثابتاً عن الله تبارك وتعالى، بل هو حكم ولائي أصدره النبيّ9 لتحقيق مصلحةٍ اقتضتها ظروف الزمان آنذاك. ولذلك، وعلى الرغم من ظهور الحرمة في ظاهر النص، لا يمكن الجزم بأنّها حرمة إلهية ثابتة في اللوح المحفوظ، بل قد تكون حرمة مؤقتة نابعة من حكمٍ ولائي ارتآه النبيّ9 لمصلحة ظرفية. ومن أبرز الشواهد على هذا الاحتمال، التعبير الوارد في بعض الروايات: «قَضى رسول الله9 بين أهل البادية»، الذي يرى بعض الأعلام أنّه يدلّ على حكمٍ ولائيّ قضائيّ لا على حكمٍ شرعيٍّ تشريعيّ صادرٍ من الله تعالى(32).
وكذلك الإشكال في المرحلة الثانية من الاستدلال، لا يزال قائماً كما في الطائفة الأُولى؛ إذ لا ملازمة بين حرمة المنع وبين نفي الملكية. فقد يكون الشخص مالكاً لعينٍ من الأعيان، ومع ذلك يُقيِّده الشارع في بعض التصرّفات لمصالح شرعية، من دون أن يرفع يده عن أصل الملكية. وعليه، فعدم جواز المنع لا يستلزم بالضرورة نفيَ ملكية المورد.
الخلاصة والنتيجة
تتميّز هذه الطائفة من الروايات عن سابقتها بقوّة ظهورها في إفادة حرمة منع الآخرين من فضل الماء، وذلك نظراً لما اشتملت عليه من تعابير متنوّعة وصريحة، كالنهي المؤكَّد، والتهديدات الواضحة، وورود هذا المنع في سياق ذكر أفعال محرّمة أُخر، ممّا يعزّز فهم الطابع الإلزامي لهذا النهي ويدعم استظهار الحكم الفقهي منه. لكن ثمّة احتمال أن تكون هذه الحرمة حكماً وِلائِيّاً أصدره النبيّ9لخصوصيّة ظرفٍ زمانيّ معيّن، لا حكماً شرعيّاً إلهيّاً ثابتاً باقياً للأُمّة الإسلاميّة إلى يوم القيامة.
كما أنّ دلالة هذه الروايات على نفي الملكية ـ بناءً على دعوى الملازمة بين حرمة المنع وعدم الملكية ـ لا تزال محلّ تأمّل، إذ من الممكن أن يُقِرّ الشارعُ أصلَ الملكية، ومع ذلك يمنع المالك من بعض التصرفات لأسباب ومصالح شرعية خاصّة، من غير أن يسلب منه حق الملكية نفسه. وعليه، فمع أنّ هذه الروايات أكثر قوّة في دلالتها على الحرمة، إلّا أنّ إثبات نفي الملكية يتطلّب قرائن إضافية تتجاوز مجرّد حرمة المنع، ولا يكفي فيها مجرّد استظهار الحرمة لتقرير نفي الملكية.
ثالثاً: الروايات الناهية عن بيع فضل الماء
وردت في عدد من الروايات نصوصٌ صريحة تنهى عن بيع (فضل الماء). وتمتاز هذه الطائفة من الروايات عن سابقاتها بأنّ النهي فيها متوجّه إلى أصل البيع، لا إلى منع الآخرين من الانتفاع. كما أنّها تختلف عن الطائفة الأُولى في أنّ موضوع النهي هو «الكمية الزائدة من الماء»، لا «ذات الماء» بوصفه مورداً طبيعياً مطلقاً.
عرض تفصيلي للروايات
- روایة أبي هریرة: قال رسول اللهﷺ: «لا يُباعُ فضلُ الماء ليُباعَ به الكلأ»(33).
- رواية أحمد وابن حبان: قال رسول اللهﷺ: «لا تبيعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيهزل المال، ويجوع العيال»(34).
- رواية جابر بن عبد الله: قال: «نهى رسول اللهﷺ عن بيع فضل الماء»(35).
- رواية إياس بن عبد: «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء»(36).
- روایة الإمام الکاظم7: الجعفريات: أخبرنا محمد، حدثني موسى، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي7، قال: «قال رسول الله9: من باع فضل الماء، منعه الله فضله يوم القيامة»(37).
- رواية عبد الرحمن البصري: الحسن بن محمد بن سماعة، عن جعفر بن سماعة، عن أبان، عن عبد الرحمن البصري، عن أبي عبد الله7 قال: «نهى رسول الله9 عن المحاقلة فقال: المحاقلة: النخل بالتمر، والمزابنة: السنبل بالحنطة، والنطاف: شرب الماء ليس لك إذا استغنيت عنه أن تبيعه جارك تدعه له، والأربعاء: المسناة تكون بين القوم فيستغني عنها صاحبها قال: يدعها لجاره ولا يبيعها إياه»(38).
دراسة دلاليّة للروايات على نفي الملكيّة
تنقسمُ التصرّفاتُ التي يمكن للمكلّف أن يقوم بها تجاهَ الأشياء إلى قسمين رئيسين: تصرّفات مالكيّة، وتصرّفات غير مالكيّة. فالتصرّفاتُ كالأكل والشرب والنقل ونحوها تُعدّ من التصرّفات غير المالكيّة، أي أنّها تجوزُ للمكلّف حتّى مع مجرّد الإباحة، من دون أن تستلزمَ ملكيّةً خاصّة. أمّا التصرّفاتُ من قبيل البيع، والهبة، والتنازل، فهي من التصرّفات المالكيّة، ولا تكونُ مشروعةً إلّا إذا ثبتتْ ملكيّة الشخص للشيء المعنيّ.
ومن هذا المنطلق، فإنّ النهي عن بيع فضل الماء في الرواياتِ محلّ البحث، إنّما هو نهيٌ عن تصرّف مالكيّ، ويدلّ على أنّ الشريعة وإن أجازت لكم الانتفاعَ بقدر الحاجة، فإنّ ذلك لا يعني أنّكم تملكون الشيءَ بحيث يصحّ منكم التصرف فيه بالبيع ونحوه؛ بل إنّما أُبيح لكم التصرفُ فيه بمقدار الحاجة، لا أكثر.
مناقشة نقدية لدلالة الروايات
إنّ الأجواء السائدة في الروايات تدلّ بوضوح على أنّ النهي الأساس إنّما هو عن أخذ العوض في مقابل فضل الماء، لا عن مجرّد التصرفات المالكيّة. فإنّ التعليلات الواردة، ككون بيع الماء موجبًا لهزال المواشي وجوع العيال، أو كونه مقدّمةً لبيع الكلأ ـ نظراً لحاجة المواشي إلى الماء عند الرعي، وإذا صار الماء بعوض عجز صاحب الماشية عن الاستفادة من الكلأ ـ كلّها تدلّ على أنّ الإشكال الأساس يكمن في المعاوضة وأخذ العوض، لا في أصل التصرف المالكي. ومن ثمّ، فإنّ النهي عن البيع في هذه الروايات إنّما يُراد به البعد المعاوضي وأخذ العوض، لا مجرّد المنع عن مطلق التصرفات المالكيّة.
الخلاصة والنتيجة
نصّ الروايات الواردة في مصادر أهل السنّة والإماميّة يدلّ بصراحة على النهي عن بيع فضل الماء. وللوهلة الأُولى، قد يُفهم من هذا النهي أنّه ناظر إلى منع التصرّف المالكي، ويُعتبر البيع مثالاً لهذا النوع من التصرّف. إلّا أنّ التدقيق في القرائن الواردة في بعض الروايات، كالتعليل بهزال الماشية، وجوع العيال، والتنبيه إلى أنّ بيع الماء يفضي إلى بيع المرعى، يبيّن أنّ النهي إنّما هو متوجّه ـ في المقام الأول ـ إلى أخذ العوض، لا إلى مجرّد التصرّف المالكي.
وبناءً على ذلك، فإنّ التصرّفات التي لا تشتمل على جانب المعاوضة، كالهبة مثلًا، لا يشملها هذا النهي. وبالتالي، فإنّ الغرض من هذه الروايات هو منع تحويل الموارد العامّة إلى سلعة تجارية، وحماية حقّ الانتفاع العام بالمياه، لا نفي الملكية المطلقة لها.
رابعاً: رواية الشراكة العامّة للناس في الماء
روي عن رسول الله9 أنه اعتبر أنّ الماء مما اشترك فيه الناس، وعدّه من الأُمور التي يشترك فيها الجميع بلا استثناء.
عرض تفصيلي للرواية
1ـ عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبيﷺ، قال: غزوتُ مع النبيّﷺ ثلاثًا، أسمعه يقول: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار»(39).
2ـ أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبي الحسن7، قال: سألته عن ماء الوادي فقال: «إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء»(40).
دراسة دلاليّة للرواية على نفي الملكيّة
يُعدّ حديث النبيّ9: «المسلمون شركاء في الماء، والكلأ، والنار» من النصوص المحورية في فقه الموارد العامّة وحقوق الإنسان الطبيعية. ويحمل هذا الحديث الشريف، في دلالة الشراكة، ثلاثة احتمالات رئيسة:
أولاً: الشراكة التكوينية والطبيعية، أي أنّ هذه الموارد تعود في أصل خلقتها وذاتها إلى النوع الإنساني.
ثانياّ: الشراكة بمعنى (الحق)، أي أنّها تمثل حقّاً طبيعياً وما فوق تشريعي للإنسان في الانتفاع من الموارد الحيوية.
ثالثاً: الشراكة بمعنى الحكم الشرعي، والتي يمكن تفسيرها في الفقه بإباحة التصرّف أو الملكية المشتركة (المشاع)(41).
إنّ تحليل هذه الاحتمالات الثلاثة بدقّة، يفتح آفاقاً أعمق لفهم الحديث النبوي الشريف، وما يترتّب عليه من آثار فقهية واجتماعية.
الاحتمال الأول: الشراكة التكوينية
وفقاً لهذا الاحتمال، تُفهم الشراكة على أنّها تعلّق طبيعي وتكويني بالماء والنبات والنار لجميع البشر، من غير تدخّلٍ لجعلٍ أو تشريعٍ شرعي. وهذا الفهم ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾، حيث تدلّ الآية على أنّ الأرض وما فيها قد جُعلت للناس جميعاً. ووفق هذا الرأي، فإنّ الطيور والحيوانات والبشر يستفيدون من الماء والمرعى بطبعهم، فكذلك شراكة الإنسان فيها هي شراكة طبيعية لا شرعية.
الاحتمال الثاني: الشراكة بمعنى الحقّ
في هذا الاحتمال، تُفسّر الشراكة على أنّها حقّ طبيعي، حيث يُثبّت النبيّ الأكرم9من خلال خطاب ديني وفوق تشريعي، حقّاً عامّاً للبشر في الانتفاع من هذه الموارد. وهذا الحقّ يُعدّ مقدّمةً وأساساً لسائر الأحكام الفقهية والقانونية، بل يُعتبر مقياساً لتنظيمها لا تابعاً لها. ومثل هذا البيان ليس نادراً في الشريعة؛ فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ يعلن أصل كرامة الإنسان، وحديث: «إنّما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» يبيّن الغاية العليا للبعثة، وقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) تؤسّس لنفي الضرر كمبدأ عام. كلّ هذه النصوص تُعدّ من سنخ التشريعات العُليا التي تُقاس بها الأحكام التفصيلية، ولا تتوقف هي على تلك الأحكام.
الاحتمال الثالث: الشراكة بمعنى الحكم الشرعي
في هذا الوجه، تُفهم الشراكة المذكورة في الحديث كحكمٍ فقهيٍّ تقليدي. وقد فسّر بعض الفقهاء، خصوصاً من أهل السنّة، الشراكة على أنّها «ملكية مشاعة»، بمعنى أنّ الماء والمرعى تُعتبر ملكاً لجميع المسلمين. فيما يرى آخرون، لا سيّما من فقهاء الإمامية، أنّ الشراكة هنا تعني: «الإباحة العامة»؛ أي أنّ الانتفاع من هذه الموارد مباح للجميع ما لم يتمّ تملّكها بالحيازة، فإذا حصلت الحيازة، جاز التملّك الخاص.
ترجيح الاحتمال الثّاني على سائر الاحتمالات
يظهر أنَّ الاحتمالَ الثالث لا يمكن الدفاع عنه؛ فإنّ تفسير الشراكة المذكورة في الحديث بكونها شراكةً ملكيّةً عامّة ـ وهو الوجه الأوّل من هذا الاحتمال ـ يبدو بعيدًا جداً، إذ يلزم منه أن يحتاج كلُّ فردٍ إلى إذنِ سائر الشركاء في أيّ تصرّفٍ شخصي، وهذا خلاف المسلك الفقهيّ السائد في مواردِ هذا النحو من الموارد العامّة. كما أنّ استثناءَ هذا المورد من سائر موارد الملك المشاع بلا دليلٍ معتبرٍ لا يُعْتَمد عليه.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ تفسير الشراكة بمجرّد الإباحة في التصرّف ـ وهو الوجه الثاني من الاحتمال الثالث ـ لا ينسجم مع ظاهر لفظ (شركاء)، فإنّ هذا اللفظ ذو حمولةٍ دلاليّةٍ قانونيّةٍ وإنسانيّةٍ تتجاوز مجرّد الإذن في الانتفاع، وتوحي بنوعٍ من المساواة في الحقّ أو المشاركة في الوضع الاجتماعيّ. ومن ثمّ، فإنّ الذين فسّروا هذا التعبير بالإباحة اعتمدوا على دلالة الاقتضاء، حيث رأوا أنَّ ظاهرَ الحديث غير مقبولٍ فاضطرّوا إلى تأويله بهذا النحو. وعليه، فإنَّ الاحتمال الثالث لا يبدو منسجمًا مع ظاهر الحديث.
أمّا الاحتمال الأوّل، فهو الآخر يخالف الظاهر بدرجةٍ ما؛ إذ إنّ التعبير عن العطاء التكوينيّ والإفاضة الإلهيّة عادةً ما يُؤدَّى بألفاظٍ مثل: (سخّر لكم)، و (أنعم عليكم)، أو (خلق لكم)، وهي تعابير تشير إلى الجعل الإلهيّ، ودور الإنسان كمستفيدٍ من النعمة. بينما لفظ (شركاء) لا يدلّ على ذلك، بل إنّ دلالته تتركّز على التساوي والمشاركة بين الأفراد؛ فهو يُفيد أنّ هذه الأُمور مشاعةٌ بين الناس جميعاً، لا أنّها هبةٌ من طرفٍ واحدٍ إلى طرفٍ آخر. ولذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾، ولم يقل: (أنتم في الأرض شركاء). ومن ثمّ، فإنّ ظاهر لفظ (شركاء) أقرب إلى الوضع الحقوقيّ والاجتماعيّ منه إلى العطاء التكوينيّ والإفاضة الإلهيّة.
إلى جانب ذلك، توجد شواهد تدعم الاحتمال الثاني وتجعله أرجح من سواه، منها:
أوّلاً: إنّ لغة الحديث النبويّ تدلّ على أنّه بصدد تثبيت قاعدةٍ كلّيّةٍ، لا مجرّد حكمٍ جزئيّ، حيث يُسند الحكم إلى الطبائع دون قيدٍ أو شرط.
ثانياً: إنّ الحديث يتحدّث عن (الشراكة) وهي لفظةٌ ذات دلالةٍ حقوقيّةٍ وإنسانيّة، وتُشير إلى حقٍّ متساوٍ بين الأفراد.
ثالثاً: إنّ السياق الذي يرد فيه الحديث يَذكُرُ الماءَ والكلأَ والنارَ، وهي من ضروريّات الحياة، ما يُقَرِّب خطابه من خطاباتٍ تأسيسيّة مثل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، و(لا ضرر ولا ضرار)، وهي نصوص تهدف إلى إرساء قواعدَ أساسيّةٍ لبنيةِ النظام الحقوقيّ في المجتمع.
دلالة الاحتمال الثاني على نفي الملكيّة الخاصّة
من الواضح أنَّ ملكيّة الأفراد للموارد الطبيعيّة كالماء تتعارض بجلاءٍ مع حقّ الانتفاع العامّ من هذه الموارد، إذ إنّ تحقّق الملكيّة يعني حصرَ سلطةِ التصرّف واتّخاذ القرار في يدِ المالك، ما يؤدّي إلى حرمان الآخرين من الاستفادة منها. ومن ثمّ، فإنّ هذا التعارض يُعدّ مؤيِّدًا قويًّا لاحتمال كون الأصل في هذه الموارد هو نفي الملكيّة الخاصّة.
وعليه، فإنّ ما يُمكن استظهاره من هذا الحديث النبويّ: «المسلمون شركاء...»، هو أنّ الموارد الطبيعيّة، بوصفها أُصولًا ومصادرَ عامّة، لا تُعدّ قابلةً للتملّك الخاصّ ابتداءً. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يعني نفي كلّ أنواع الملكيّة للماء، بل قد يُتصوَّر تملّكُ مقدارٍ معيّنٍ منه عن طريق الإحياء أو في ظروفٍ خاصّة، لكنّ تملّك أصلِ المورد ـ كالمياه الجوفيّة أو الأنهار ـ على نحوٍ كُلّيٍّ لا يمكن التسليم به.
الخلاصة والنتيجة
حديث: «المسلمون شركاء في الماء والكلأ والنار» يُعَدّ من أبرز الأحاديث النبويّة التي تُؤسّس لبيان الحقوق العامّة في الموارد الحيويّة.
فهذا الحديث يُشير بوضوح إلى نوعٍ من الشراكة الجماعيّة في موارد كالماء، غير أنّ المعنى الدقيق لهذه الشراكة محلّ نقاشٍ فقهيّ. وقد طُرِحت ثلاثة احتمالات رئيسة في تفسير هذه الشراكة: الشراكة التكوينيّة (أي التعلّق الطبيعي)، والشراكة بمعنى الحقّ الطبيعيّ والفوق تشريعيّ، والشراكة بوصفها حكمًا فقهيًّا كالإباحة أو الملكيّة المشاعة.
إنّ تحليل الدلالات اللغويّة، وسياق الحديث، ومقارنته بتعبيراتٍ مماثلة في القرآن والسنّة، يُظهِر أنّ الاحتمال الثاني ـ أي الشراكة باعتبارها حقًّا طبيعيًّا ـ هو الأقرب إلى ظاهر الرواية ومضمونها، كما أنّه منسجم مع المبادئ الحقوقيّة في الشريعة الإسلاميّة.
ووفقًا لهذا التفسير، فإنّ الموارد الطبيعيّة كالماء ليست قابلةً للتملّك الخاصّ في أصلها، وإن كان الانتفاع الجزئيّ منها من خلال الحيازة أمرًا ممكنًا. فالرواية المذكورة لا تُمثّل مجرّد حكمٍ فقهيّ جزئيّ، بل هي قاعدةٌ حقوقيّةٌ عامّةٌ في فقه الموارد العامّة.
خامسًا: الرواية الدالّة على جواز التصرّف العام في الماء
وردت في بعض النصوص إشاراتٌ إلى سعة التصرّف الممنوحة لعامة الناس في الانتفاع بالماء.
عرض تفصيلي للرواية
عن قِيلةرضي الله عنها أنها سمعت رسول اللهﷺ يقول: «المسلمُ أخو المسلم، يسَعُهُما الماءُ والشجر، ويتعاونانِ على الفتّان»(42).
دراسة دلاليّة للرواية على نفي الملكيّة
تُظهِر هذه الرواية، من خلال تأكيدها على (التعاون في الفتنة) و(أُخوّة الإسلام)، إمكانية استظهار أصل نفي الملكية الخاصة للموارد الطبيعية كالماء والشجر. فعبارة: «يتعاونان على الفتّان» تشير إلى نوعٍ من التعاون المجّاني وغير المبنيّ على المعاوضة أو التجارة، بل على البذل والإيثار في الظروف الحرجة. وكذلك، فإنّ تعبير: «المسلم أخو المسلم» يعكس علاقةً إنسانيةً وإيمانيةً عميقةً تقوم على أساس الدعم والمساعدة دون كلفة، لا على السيطرة أو التملك الانفرادي.
وفي ضوء هذا السياق، لا يمكن فهم عبارة: «يسعهما الماء والشجر» على أنّها تدلّ على انتفاعٍ ضمن حدود الملكية الخاصة، إذ لو كان أحدهما مالكاً للماء أو الشجر؛ لكان له الحق في منعه ومنع الانتفاع منه، وهو أمر يناقض تماماً مبدأ الأُخوة والتعاون الذي تؤكّده الرواية. وعليه، فإنّ الرواية، وإن وردت في مقام الحثّ الأخلاقي والاجتماعي، إلّا أنّها تنطوي أيضاً على دلالة فقهية مهمّة تشير إلى نفي التملك الخاصّ لهذه الموارد الطبيعية.
مناقشة نقدية لدلالة الرواية
مع أنّ الرواية تركّز على مفاهيم مثل الأُخوّة الإسلامية، والتعاون في مواجهة الفتن، إلّا أنّ بنيتها اللغوية وأُسلوبها العام أقرب إلى الأدبيات الأخلاقية والنصائح الإرشادية منها إلى خطاب التقنين والاستنباط الفقهي. فكأنّ الرواية بصدد رسم نمط الحياة الإيمانية والدعوة إلى التراحم والتكافل في الشدائد، لا في مقام بيان حكم فقهي صريح بشأن نفي الملكية.
فألفاظ مثل: (أخو المسلم)، و(يتعاونان) تحمل دلالات توجيهية ومعنوية، لا تأسيسية أو إلزامية. ومن ثمّ، فإنّ استخراج حكم فقهي بعدم جواز التملّك الشخصي للماء والشجر من هذه الرواية يواجه صعوبات عدّة، ولا بدّ له من قرائن ومؤيّدات أُخر من مصادر فقهية معتبرة، كي يمكن الركون إليه على نحو مستقل.
الخلاصة والنتيجة
يشير حديث: «المسلم أخو المسلم...» إلى نوعٍ من جواز التصرّف العام في الموارد الطبيعية كالماء والشجر. ففي هذه الرواية، تُطرَح مفاهيم مثل: الأُخوّة الإسلامية، والتعاون في مواجهة الفتن بطريقة لا تنسجم مع التملّك الشخصي والتصرّف الانفرادي؛ إذ لو كان أحد الطرفين مالكًا، لَجاز له منع الآخر من الانتفاع، وهو ما يتعارض مع روح التعاون والأُخوّة الواردة في النص.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يُستظهَر من الرواية دلالة على أصل نفي الملكية الخاصّة في هذه الموارد. ومع ذلك، فإنّ الرواية ـ من حيث الدلالة الفقهية ـ تندرج غالبًا في إطار التوصيات الأخلاقية والتوجيهات السلوكية، لا ضمن سياق تقنين الأحكام الإلزامية. فالتعابير المستخدمة فيها تحمل طابعًا إرشاديًّا أكثر منه تأسيسيًّا، ومن ثمّ فإنّ الاستناد المستقل إلى هذه الرواية في نفي التملّك الشخصي، يتطلّب مؤيّدات وشواهد فقهية إضافية.
خلاصة التحديات الروائية
النظر في الروايات الواردة حول ماء البئر يكشف أنّه، وإن كان ظاهر بعض النصوص يوحي لأول وهلة بالتعارض مع مبدأ الملكية الخاصة للماء، إلّا أنّ التحليل الدقيق لدلالات تلك الروايات وسياقاتها يشير إلى أنّ هذا التعارض إنّما يتعلّق بحدود ممارسة الملكية، والملاحظات الأخلاقية والاجتماعية في الانتفاع من الموارد العامة، لا إلى نفي أصل الملكية نفسه.
فبعض الروايات، من خلال النهي عن منع الآخرين من الوصول إلى الماء، تُظهر نوعًا من المسؤولية الأخلاقية أو التقييد في التصرف، لكن لا يمكن استنتاج نفي الملكية منها بوضوح. أمّا طائفة روايات (فضل الماء)، فرغم ظهورها الأقوى في حرمة المنع، فإنّ الاستدلال بها على نفي الملكية يتوقف على افتراض ملازمة قطعية بين الحرمة ونفي التملك، ونفي احتمال حکم ولائي أصدره النبيّ 9، وكلاهما يحتاج إلى مزيد من التأمل.
وأمّا النهي عن بيع الماء الزائد، فبالنظر إلى القرائن السياقية، فهو ناظر غالبًا إلى ما بعد المعاوضة وتحويل الموارد الحيوية إلى سلع تجارية، لا إلى نفي تملكها. كذلك، فإنّ رواية: «المسلمون شركاء في الماء» وإن طرحت مبدأ الشراكة العامة، إلّا أنّ طبيعة هذه الشراكة وحدودها بحاجة إلى تحليل فقهي دقيق، وهي أقرب إلى تقرير حق طبيعي محدود في الانتفاع، لا إلى نفي مطلق للملكية الخاصة.
وفي ما يخص الروايات الدالة على جواز التصرف العام، فإنّ طابعها في الغالب إرشادي وأخلاقي، ولا تنهض دلالتها إلى درجة تفيد نفيًا فقهيًا قاطعًا للملكية.
وبناءً على ما سبق، فإنّ مجموعة الروايات محل البحث، ليست في مقام إنكار أصل الملكية، بل تهدف إلى تنظيم حدودها ضمن أُطر أخلاقية وإنسانية واجتماعية، ويمكن، في أحسن تقدير، اعتبارها مستندًا لتقييد بعض مظاهر التملك لا لنفيه كليًا.
التحديات الفقهية حول ملكيّة ماء البئر
تُواجه ملكيّة ماء البئر من المنظور الفقهي تحدّيَين رئيسين، يتمثّلان في وجود حكمين فقهيّين مقبولَين يصعب التوفيق بينهما وبين القول بثبوت الملكيّة لماء البئر.
التحدّي الأوّل: عدم التوافق مع إباحة ماء البئر للمستأجر
إذا استأجر شخصٌ بيتًا يحتوي على بئر، وكان مفترضًا أنّ ماء البئر مالٌ مستقلّ يبقى على ملك المؤجّر، فحينئذٍ سيكون لزامًا على المستأجر أن يستأذن المالك للاستفادة من الماء، وهذا خلاف ما استقرّت عليه سيرة المسلمين، ولا يوجد فقيه أفتى بهذا اللزوم. ويُشبه هذا الفرض أن يستأجر المرءُ بيتًا ولكن لا يحقّ له استخدام لوحة أو شيء من متعلّقات المالك الموضوعة فيه إلّا بإذن خاص، مع كونها من أملاك المالك المستقلّة.
وفوق ذلك، فإنّ ماء البئر ـ لكونه عينًا استهلاكيّة ـ لا يُعدّ قابلاً للإجارة؛ إذ لا يبقى منه منفعة تُستوفى بالإيجار، بخلاف المنافع المعتادة التي تقع موضوعًا لعقود الإجارة.
نقد ومعالجة التحدّي الأوّل
يمكن تحليل هذه المسألة الفقهيّة على نحو لا يتنافى مع القول بملكيّة صاحب البيت لماء البئر، من خلال فرض أحد الحلّين الآتيين:
الحلّ الأوّل: الإباحة بسبب عدم تضرّر المالك
بحسب رأي الشيخ الطوسيرضي الله عنه، كما أنّ الاستظلال بظلّ جدارٍ مملوك لا يحتاج إلى إذن من المالك ما دام لا يترتّب عليه ضرر، فكذلك الشرب من ماء البئر لا يقتضي إذنًا إذا لم يترتّب عليه ضرر للمالك. وعلّة هذا الرأي أنّ ماء البئر يتجدّد فورًا من المصدر الطبيعي بعد الاستعمال، ولا ينتقص من ملك المالك شيء(43).
نقد الحل الأول
هذا التحليل مشكل؛ لأنّ الظلّ يُعدّ جزءًا من منفعة الجدار، ولا يُتلف مالًا مستقلًّا، بينما ماء البئر، في محلّ الفرض، هو عين مال المالك، واستعماله يوجب زوال هذه العين، وهو ضرر فعليّ، حتى وإن تجدد الماء لاحقًا؛ لأنّ ما يتجدّد يُعدّ مالًا جديدًا، ولا يُزيل حقيقة الاستهلاك السابق. كما أنّ المالك كان يمكنه بيع هذا المقدار من الماء، والاستخدام بغير إذنه يُعدّ تصرّفًا في مال الغير.
الحلّ الثاني: وجود شرط ارتكازي ضمن عقد الإجارة
وفق هذا التحليل، لا تكون الإباحة قائمة على إذن مستقلّ، بل على شرط ضمنيّ وارتكازي يفهمه العرف من طبيعة عقد الإجارة. فبما أنّ العرف يرى الانتفاع بماء البئر في البيوت السكنيّة أمرًا بديهيًّا، فإنّ عقد الإجارة يُفهم ضمنًا أنّه يشمل هذا الانتفاع. وهذا لا يستلزم نفي الملكيّة، بل يُعبّر عن توافق عرفيّ بين المؤجّر والمستأجر، من دون أن يؤثّر على الأصل الفقهي للملكيّة.
التحدّي الثاني: الموارد الطبيعيّة لا تُملَك
الموارد الجوفيّة، كغيرها من الموارد الطبيعيّة، لا تُعدّ قابلةً للتملّك، وهذا ما عليه اتّفاق الفقهاء؛ فهي ليست داخلة في ملكيّة الأفراد. إنّ البئر، في حقيقته، لا يعدو أن يكون منفذًا فُتح باتجاه هذا المصدر الطبيعي، والماء الذي يُرى داخل البئر ليس سوى جزء من ذلك الخزان الجوفي المتّصل، فكأنّ الإنسان قد فتح نافذةً يُشاهد من خلالها جزءًا من ذلك المورد. ولهذا، فإنّ مجرّد فتح هذا المنفذ، ما لم يتحقّق فيه الحيازة والانتفاع الفعلي بالماء، لا يفضي إلى الملكيّة.
نقد ومعالجة التحدّي الثاني
هذا التحليل يحمل طابعًا عقليًّا دقيقًا، لكنّه لا يتطابق بالضرورة مع الفهم العرفي السائد. فمع أنّ الماء الموجود في البئر متّصل من الناحية الفنيّة بالخزان الجوفي، إلّا أنّ من يدّعي ملكيّة هذا الماء لا يدّعي امتلاك المصدر كلّه، إذ من الواضح أنّ الجيران قد يستفيدون من نفس المصدر. المقصود أنّه من وجهة نظر العرف، فإنّ حفر الإنسان للبئر يُعدّ حيازةً لما في داخله من ماء. ومن المنظور العرفي، لا يُشترط في تحقّق الحيازة أن يُستخرج الماء بالدلو أو غيره، بل إنّ مجرّد احتباس الماء داخل البئر المحفور يكفي لإثبات الملكيّة. ومن أبرز الشواهد على هذا الفهم العرفي، ما نجده من البحث الفقهي الواسع حول نجاسة ماء البئر في كتب الفقه؛ إذ لو كان العرف يرى الماء متّصلاً بجوف الأرض اتصالاً حقيقيّاً، لما كان ثمّة مجالٌ للبحث في نجاسته أو حتى لتوهّمها. وهذا يكشف بوضوح أنّ العرف يتعامل مع ماء البئر على أنّه منفصل عن الجوف، وإنْ كانت هناك من جهةٍ عقليّةٍ محضةٍ رؤيةٌ تُثبِت اتّصاله به.
خلاصة التحدّيات الفقهيّة
ثمّة تحدّيان فقهيّان بارزان أمام القول بملكيّة ماء البئر:
الأوّل: تعارض هذا القول مع الإباحة العرفيّة لاستخدام المستأجر لماء البئر، وقد تبيّن من التحليل الدقيق للمسألة أنّ العرف، بالرغم من افتراض الملكيّة، يقبل هذا الاستخدام باعتباره شرطًا ارتكازيًّا ضمن عقد الإجارة، من غير أن يدلّ ذلك على نفي أصل الملكيّة.
الثاني: الزعم بأنّ الموارد الطبيعيّة، كالمياه الجوفيّة، لا تُملَك؛ وهو وإن كان مبرّرًا عقلًا، إلّا أنّه لا يتنافى مع الفهم العرفي للحيازة، حيث يرى العرف أنّ احتباس الماء في بئر خاص، ولو كان متّصلًا بمصدر عام، يكفي في إثبات التملّك.
الأدلّة على ملكيّة ماء البئر
الدليل الأوّل: النماء تابع للأصل في الملكية
إنّ القول بالتلازم بين ملكيّة البئر وملكيّة مائها مبنيٌّ على فرض اعتبار الماء من نماء البئر؛ والنماء، بحسب الروايات(44)، تابعٌ للأصل في الملك. وعليه، إذا كانت البئر مملوكةً لشخص، فإنّ ماؤها يُعدّ من توابع ملكه، ولا يحتاج إلى تملّك جديد بالحيازة أو غيرها.
نقد الدليل الأوّل:
هذا المبنى ناشئٌ عن قياسٍ غير دقيق، شُبّه فيه الماء الموجود في البئر بالثمار النابتة على الأشجار(45)، في حين أنّ الماء، أقرب ما يكون إلى المنزل الذي وصلنا إليه عبر طريقٍ محفور، وأخذنا شيئاً منه، وليس ما أخذناه من نماء ذلك الطريق. إنّ البئر في الحقيقة ليست سوى وسيلة للوصول إلى الخزان الجوفي، وحيازة شيء منها، وفتح الطريق وأخذ شيء لا يجعل الماء الواقع فيه من نماء البئر أو الأرض التي فيها البئر.
ويظهر هذا الخلط أيضاً في مسألة العيون والآبار التي تنبع تلقائيًّا في أملاك الأفراد، إذ يرى بعض الفقهاء أنّ الماء فيها مملوكٌ لصاحب الأرض باعتباره من نماء الأرض. إلّا أنّ السيّد الشهيد الصدر (قده) انتقد هذا الرأي، مبيّنًا أنّ مثل هذا الماء يُعدّ «مالًا في وعاء مملوك»، لا أنّه من نماءات الأرض نفسها(46).
الدليل الثاني: الحيازة تحقق الملكية
عندما يستخرج شخصٌ دلواً من الماء، فلا شكّ في أنّه قد حاز ذلك الماء ويُعدّ مالكاً له(47). لكن السؤال هو: ما هو الحدث الذي يحقّق الحيازة في هذه العملية؟ والواقع أنّ الشخص يفصل جزءاً من الماء عن المصادر الطبيعية العامة ويجعله تحت سيطرته وإشرافه، وهذا الفصل والسيطرة هو منشأ تحقّق الحيازة.
وبتأمّل في بنية البئر ووظيفته، يمكن إجراء التحليل نفسه. فالشخص الذي يحفر بئراً، إنما يخلق دلواً في أعماق الأرض، ومن خلاله يفصل قِطعاً معيّنة من المياه الجوفية عن باقي المياه الحرة والطبيعية، ويجعلها ضمن نطاق نفوذه وإشرافه. لذلك، إذا حفر شخصٌ بئراً بنيّة التملّك، فإنّ هذا السلوك يُعدّ ـ بحسب العُرف ـ من مصاديق الحيازة، ويُفضي إلى تحقّق الملكية(48).
نقد الدليل الثاني:
لا تكون الحيازة سبباً للملكية إلّا إذا كان ما وقع عليه الحيازة قابلاً للملكية في الأصل؛ وإلّا فإنّه لا يترتّب عليها سوى حقّ اختصاص دون الملكية. وبالنسبة للماء الموجود في البئر، ولأنه يُعدّ جزءاً من الموارد الطبيعية والمخزون الجوفي، قد لا يُعدّ قابلاً للتملّك ما دام متّصلاً بمصدره الطبيعي من المياه الجوفية.
نعم، إذا جُمع الماء في وعاءٍ خاصّ وانفصل عن الأرض ونُقل إلى السطح، فتكون الحالة مختلفة؛ أمّا ما دام في البئر ومتّصلاً بمصدره الطبيعي، فيُعدّ من الأموال العامة، وتكون حيازته منشئاً لحقّ أولوية لا للتملّك الفقهي بالمعنى المصطلح.
وبتعبير أدق: السؤال الأساسي هنا هو هل ماء البئر قابل للتملّك أم لا؟ والإجابة عن هذا السؤال تعتمد على تحليل الروايات والأدلة الشرعية المتعلّقة بطبيعة وأحكام المياه الجوفية. لذلك، لا يمكن اعتبار مجرّد الحيازة دليلاً مستقلاً على الملكية، بل يجب اعتباره حكماً مشروطاً بقابلية ما حيز للتملّك.
والنتيجة:
إنّ دلالة الحيازة في هذا السياق لا تتعارض مع الروايات، بل تنسجم معها؛ لأنّ الحيازة، في مقام إثبات الملكية، ما لم يتّضح قابليّة الماء للتملّك، يكون مفهوماً أعمّ من الملكية والاختصاص، ولا يمكنها أن تثبت الملكية بمفردها.
الدليل الثالث: قاعدة «من سبق.. فهو أحق به»
يمكن الاستناد إلى قاعدة «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به» لإثبات الملازمة بين ملكية البئر وملكية مائها؛ لأنّ المياه الجوفية، ما دامت في باطن الأرض وخارج نطاق الاستيلاء، تُعدّ من المباحات الأصلية. وبحسب هذه القاعدة، فإنّ من سبق إلى مباح لا سابق له، يكون أحقّ به، بل وقد يجري التملك عليه.
وقد وردت روايات متعددة عن النبيّ الأكرم9 والأئمّة: تؤيّد هذه القاعدة(49)، منها: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به»(50)، وهي مروية في مصادر الفريقين، واستند إليها فقهاء كالشيخ الطوسي(51)، والعلّامة الحلي(52)، وفخر المحققين(53).
وفيما يتعلّق بماء البئر، فإنّ من يحفر البئر ويستخرج الماء من أعماق الأرض، يُعدّ سابقًا في الحصول على هذا المباح، ومن ثمّ فإنّه بحسب هذه القاعدة الفقهية، يثبت له من حيث الشرع حقّ التقدّم، بل حقّ التملك على الماء المستخرج؛ ما يُشير إلى نوع من الملازمة العرفية والشرعية بين ملكية البئر ومائها(54).
نقد الدليل الثالث:
من أبرز الإشكالات على الاستدلال بهذه القاعدة لإثبات ملكية ماء البئر، أنّ أغلب نصوصها تستخدم تعابير من قبيل: (أحقّ به)، و(أولى به)، وهي تعابير أمّا ظاهرة في حق الأولوية، أو على الأقل أعمّ من الملكية والأولوية.(55)
لذا فإنّ الاستناد إلى هذه القاعدة لا يكفي لإثبات الملكية التامة للماء، ما لم تقترن بقرينة خاصّة تدلّ على الخروج عن القدر المتيقن (وهو الأولوية فقط).
نعم، قد يظهر في بعض كلمات الفقهاء تعبير «فهو له»، لكن مع ملاحظة أنّ الغالب في الروايات هو استعمال لسان «أحقّ» و«أولى»، لا يمكن الاعتماد على هذا التعبير المنفرد لإثبات الملكية؛ لاحتمال كونه تلخيصًا أو نقلًا بالمعنى، لا تعبيرًا عن مضمون مغاير. وعليه، فإنّ مجموع الروايات ذات اللسان الواحد والمضمون المشترك تدلّ على حقّ التقدّم، لا على ملكية العين.
وبناءً عليه، فإنّ التمسّك بقاعدة السبق لا يُثبت ملكية ماء البئر، وإنّما يثبت حقّ الاختصاص والأولوية، ولا يكفي ذلك لإثبات الملازمة بين ملكية البئر وملكية مائها، إلّا إذا اكتمل بأدلّة أُخر ذات دلالة صريحة على التملك.
الدليل الرابع: فحوى روايات بيع الشِرْب
يُعَدّ من أبرز الأدلّة الفقهية على ملكيّة الماء الموجود في البئر أو القناة، الرواياتُ التي تُصرّح بجواز بيع حصة الماء (الشِرْب). فالمناخ السائد في هذه الروايات هو مناخ الشركة في القناة؛ أي أنّ الفرض الأساسي فيها أنّ جماعةً يشتركون في قناة ماء، ولكلّ واحد منهم حصة معينة من الماء. ومع ذلك، فإنّ الإمام7 قد أقرّ جواز بيع الشِرْب حتى في هذه الحالة من الشركة.
وإليك تفصيل بعض هذه الروايات:
الرواية الأُولى: صحيحة سعيد الأعرج، عن الإمام الصادق7، قال: سألته عن الرجل يكون له الشِرْب مع قوم في قناة فيها شركاء، فيستغني بعضهم عن شِرْبه، أيبيع شِرْبه؟ قال: «نعم، إن شاء باعه بورق، وإن شاء بكيل حنطة»(56).
الرواية الثانية: عبد الله الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد الله (الإمام الصادق7) وأنا عنده عن قناة بين قوم، لكلّ رجل منهم شِرْب معلوم، فاستغنى رجل منهم عن شِرْبه، أيبيعه بحنطة أو شعير؟ قال: «يبيعه بما شاء، هذا ممّا ليس فيه شيء»(57).
الرواية الثالثة: علي بن جعفر، عن الإمام الكاظم7، قال: وسألته عن قوم كانت بينهم قناة ماء، لكلّ إنسان منهم شِرْب معلوم، فباع أحدهم شِرْبه بدراهم أو بطعام، هل يصلح ذلك؟ قال: «نعم، لا بأس»(58).
ولا شكّ أنّ جواز بيع حصة الماء في حالة الشركة مع الآخرين ـ حيث يوجد حقّ للناس ـ يدلّ بالأولوية على جواز بيع الماء في حالة التملّك التامّ والفردي للبئر، حيث لا شريك ولا معارض، فيصحّ حينها بيع الماء والتصرف فيه كمالك شرعي(59).
نقد الدليل الرابع:
من الإشكالات الرئيسة في الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات، هو أنّ مدلول الحكم بجواز البيع أعمّ من إثبات ملكيّة نفس عين الماء. بمعنى آخر، قد يكون جواز البيع في هذه الروايات لا لأجل تملّك الماء، بل بسبب وجود حقّ كحقّ الأولويّة أو حقّ الاختصاص لهذا الفرد.
وعليه، فإنّ ما يُباع ليس نفس الماء كمالٍ مملوكٍ قابلٍ للتملّك، بل الحقّ في الانتفاع أو الأولويّة في استخراج الماء. لذلك، فإنّ هذه الروايات إنّما تثبت أنّ هذا الحقّ قابلٌ للنقل والتنازل، ولا تُثبت بالضرورة تملّك العين بما يترتب عليه من الإرث وسائر أحكام نقل الأموال.
الدليل الخامس: سريان ملكيّة الأرض إلى باطنها
في العرف العام، هناك رأي شائع مفاده أنّ ملكيّة الأرض تستتبع ما في باطنها من الموجودات، وإن لم تُعدّ تلك الأشياء عرفاً من أجزاء الأرض(60). فعلى سبيل المثال، إذا آلت أرض إلى شخص بالميراث أو بالشراء، ثم وُجد أثناء الانتفاع بها أو حفرها نباتٌ كالجزر مدفونٌ في باطنها، ولم يكن ظاهراً من قبل، فإنّ العرف والسيرة العقلائيّة تحكم بأنّ مالك الأرض هو مالك لذلك الموجود الباطني أيضاً، ولو لم يُطلق عليه اسم (الأرض) بالاصطلاح اللفظي.
نقد الدليل الخامس:
نعم، لو سلّمنا بوجود مثل هذه السيرة بين العقلاء، إلّا أنّها دليل لبّي، ويجب الاقتصار فيها على القدر المتيقّن. والقدر المتيقّن من هذه السيرة يقتصر على الموارد التي يكون فيها الشيء الموجود في باطن الأرض قريباً من السطح، وله اتصال عرفيّ بالأرض، وليس ذا قيمة مفرطة تفوق قيمة الأرض نفسها. وبالتالي، في الموارد التي يكون فيها الشيء الباطني غائرًا في أعماق الأرض، أو ذا قيمة مستقلّة وكبيرة تفوق قيمة الأرض، لا يمكن الاستناد إلى هذه السيرة لإثبات ملكيّته لمالك ظاهر الأرض.
خلاصة أدلّة الملكيّة
وبناءً على ما تقدّم، فلا يُستفاد من شيءٍ من الأدلة المطروحة، على نحو الانفراد، فهي لا تدلّ دلالةً تامّةً وقاطعة على ملكيّة عين ماء البئر. فإنّ هذه الأدلة إمّا تواجه إشكالاتٍ في مقام التطبيق (كما في مسألة تبعيّة النماء)، أو أنّ مدلولها مفهوماً أعمّ من الملكيّة والاختصاص (كما في الحيازة، وقاعدة السبق، وفحوى روايات بيع الشِرب)، أو أنّها خارجة عن القدر المتيقّن من السيرة العقلائيّة (كما في السيرة المدّعاة على تملّك باطن الأرض).
النظرية النهائية حول ماء البئر
بعد دراسة الأُفق الذهني الغامض نسبياً الذي ساد بين أفكار العلماء الأجلّاء حول هذه المسألة، تطرّقنا إلى تحليل الأدلة المثبتة والنافية لملكيّة ماء البئر، وناقشنا تحت كلّ دليلٍ أبرز الإشكالات والنقد الوارد عليه. وقد آن الأوان الآن للوصول إلى الخلاصة النهائية وبيان ما إذا كان مالك البئر يُعدّ مالكاً لمائه أيضاً أم لا.
وبرأي الكاتب، إذا كانت الحقيقة كما سيتمّ تصويرها لاحقاً، فإنّ الأدلة بمجموعها، ستكون كقطع البازل (أحجية الصور المقطّعة) المنسجمة، تترابط وتتّسق فيما بينها، دون أن يبقى بينها أيّ تعارض. بل إنّ جميع التحديات والنقاشات النظرية تنحلّ تبعاً لذلك الحلّ الكلّي.
الخطوة الاُولى: تصوّر افتراضي لأحكام الله بشأن ماء البئر
الخطوة الأُولى التي يُبنى عليها، هي أن يُفترض أنّ الأحكام الواقعيّة، وما هو مسجَّلٌ في اللوح المحفوظ، على النحو التالي:
الموارد الطبيعيّة، سواءٌ كانت على وجه الأرض أو في أعماقها، تُعدّ من المنافع العامّة، ولا تدخل في ملكيّة أحد من الناس، بل يشترك فيها الناس جميعاً، بغضّ النظر عن موقعها.
فمن يحفر بئراً بقصد الحصول على الماء ويصل إليه، فإنّه لا يملك إلّا مقدار الماء الموجود فعلاً داخل البئر، أمّا المياه التي لا تزال باقية في الخزّانات الجوفيّة، وخارج نطاق سيطرة البئر، فلا يملك منها شيئاً، بل تبقى مشمولةً بالقاعدة الأُولى؛ أي أنّها تعود إلى عموم الناس. وبعبارة أُخرى، فإنّ نطاق ملكيّته يقتصر على الكمية التي حازها فعلاً. ومع ذلك، فهو يملك هذه الكمية وإن زادت عن حاجته الفعليّة.
بعض الأحكام الشرعيّة التي قد تُفضي إلى الإخلال بالانتفاع المشروع والمتعارف من الموارد الطبيعيّة، قد رُفعت، كما هو الحال في قاعدة (لا ضرر). فهذه القاعدة تُعدّ حاكمةً على سائر الأدلة الشرعيّة بالمعنى الاصطلاحي. فلو كان إلى جانب بئر شخصٍ ما مرعى عامّ، وكان الانتفاع به مشروطاً بتوفّر الماء لسقي الدواب، وامتنع صاحب البئر عن إعطاء الماء الفائض عن حاجته، فإنّ استعمال المرعى يصبح غير ممكن؛ لأنّ الحيوان يحتاج إلى الماء بعد الرعي. وفي مثل هذه الحالة، يُحكم بأنّ لصاحب البئر لا يجوز له منع الآخرين من استخدام الماء الفائض بدون عوض. وهذا الحكم لا يُعدّ سلباً للملكيّة، بل هو رفعٌ لأحد آثار الملكيّة، أي جواز المنع. ومثاله: ما ورد في حكم (أكل المارّة)، حيث يُرفع فيه اشتراط الإذن من المالك. وبعبارة أُخرى: المالك لا يزال يملك الماء ويجوز له التبرّع به، لكن لا يجوز له منع غيره من استخدامه بلا عوض عند الفائض.
من الناحية الأخلاقيّة، إذا لم يكن في انتفاع الآخرين بماء البئر ضررٌ يُذكر على المالك، وكان الماء من الموارد المتجدّدة، فلا يَحسن بالباذل أن يبخل به، بل ينبغي أن يقدّمه مجّاناً للغير. وهذا مجرّد توصية أخلاقيّة تقوم على الالتزام بالقيم الإنسانيّة والإخاء والتعاون بين المسلمين، لا إلزامٌ شرعيّ.
الخطوة الثانية: النظرة الشمولية للروايات
إنّ منشأ الحيرة والارتباك القائم في هذه المسألة هو أنّ كلّ واحدة من الروايات تتناول جانبًا معيّنًا من الحكم الواقعي، وتُظهر بُعدًا من أبعاده المتعدّدة؛ وحيث إنّ الواقع يتّسم بتعدّد الزوايا والجوانب، فإنّ الاقتصار على زاوية واحدة من دون جمع النظرة الكلّية أدّى إلى تصوّرات متعارضة في الظاهر. لكنّنا إذا نظرنا إلى الصورة من الأعلى، وبنظرة شمولية للروايات، سيتّضح أنّ لا تعارض في البين.
وهذا عرض موجز لأدلة الروايات بأنواع دلالاتها كافة:
1ـ الأدلّة الدالّة على عدم ملكيّة الموارد الطبيعيّة
الروايات التي تتحدّث عن الماء بصيغة الإطلاق، وتقرنه بسائر الموارد الطبيعيّة، وتخلو من أيّ مؤشّر أخلاقيّ أو دعويٍّ محض، يبدو أنّها ناظرة إلى الحكم الأوّل: عدم ملكيّة الموارد الطبيعيّة. كقوله7: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ شُرَكَاءُ فِي الْمَاء وَالنَّارِ وَالْكَلأ»، وقوله: «ثلاث لا يُمنَعْن: الماء، والكلأ، والنار».
فهذه الروايات ليست بصدد بيان حكم مطلق وغير قابل للتخصيص، كما هو الحال مثلًا في الخنزير الذي لا يقبل التملّك مطلقًا، بل هي بصدد بيان أنّ الماء ونظائره من الموارد الطبيعيّة كالنار والمرعى، بحكم طبيعتهما، في أصل الشرع، لا تدخل في الملكيّة الفرديّة.
وبعبارة أدقّ: الحالة الابتدائية للماء والكلأ والنار هي الإباحة العامّة، وعدم الاختصاص. وهذا هو المضمون الذي اتّفق عليه الفقهاء من الفريقين، وصرّحوا بالإجماع عليه. كما أنّ سياق إيراد الماء مع الكلأ والنار في النصوص، يؤيّد هذا المعنى.
ومن هنا، فإنّ الروايات التي تنهى عن منع الآخرين من الانتفاع بالماء بشكل مطلق، إنّما هي ناظرة إلى هذا المعنى بالذات، أي: أنّ الماء من حيث الأصل ليس ملكًا خاصًّا لأحد، بل هو ملك عامّ يشترك فيه الناس كافة.
2ـ الأدلّة الدالّة على ملكيّة حافر البئر لماء البئر
إذا واجه الإنسان موردًا طبيعيًا في باطن الأرض ـ كالمعادن أو المياه الجوفية ـ وقام بحفره واستخراجه بنيّة التملّك، وتوصّل فعلاً إلى المورد، فإنّ جميع أركان الحيازة التملّكية تنطبق عليه، ويُعدّ مالكًا لذلك المورد بمقتضى القاعدة. ولا موجب للتفريق بين الماء وغيره من الموارد الطبيعيّة.
وأمّا القول بأنّ البئر لا يُعدّ عرفًا حيازةً للماء، فهو خلاف الواقع. فإنّ العرف يعتبر الماء الموجود في داخل البئر غير متّصل بالمادّة الطبيعيّة الأصلية، بل يرى أنّه قد انفصل عنها ودخل في حيطة الحيازة الخاصّة للفرد، منذ دخوله إلى فضاء البئر. ولا فرق من وجهة النظر العرفيّة بين الماء الموجود في عمق البئر والماء المستخرج منه، فكلاهما يُعدّان مصداقًا للحيازة.
وبعبارة أُخرى، البئر تمثّل حيازةً فعليّة للماء الكائن فيها، والعرف لا ينظر إلى هذا الماء باعتباره متّصلًا بالمياه الجوفيّة، بل يعتبره منفصلًا عنها، داخلًا في ملك الشخص.
وأمّا الاعتراض القائل: لا بدّ أوّلًا من إثبات قابليّة الماء للتملّك. فالجواب: لا دليل لدينا على منع تملّك الماء مطلقًا. وإنّما الأدلة الناهية تختصّ بالموارد الطبيعيّة المشتركة في أصلها، ولا تشمل الماء الواقع في الحيازة الفرديّة. وعليه، فلا مانع من التملّك بواسطة الحيازة.
وإضافةً إلى دلالة قاعدة (من حاز ملك)، فإنّ فحوى الروايات الدالّة على جواز بيع الشِرب تؤكّد هذا المعنى؛ إذ إنّ السياق العامّ للروايات يدلّ على أنّ وجه الإشكال لم يكن في أصل البيع، بل في الشراكة مع الغير. أي أنّ ذهن الراوي والمخاطب كان يرى أصل جواز البيع أمرًا مفروغًا منه، والإشكال نشأ من جهة مشاركة الآخرين في ذلك الشِرب. ولو كان أصل البيع مشكوكًا فيه، لكان الأولى عرفًا أن يُسأل عنه مباشرة، لا عن خصوص حالة المشاركة.
ومن هنا، فإنّ محاولة تفسير بيع الشِرب على أنّه بيع لحقّ الأولويّة فقط، لا تتوافق مع ظاهر الروايات، بل تناقض مضمونها؛ وذلك لأنّ حقّ الأولويّة ينحصر في مقدار الحاجة، بينما الروايات تُشير بوضوح إلى بيع الزائد عن الحاجة.
وعليه، لا وجه لرفع اليد عن الظهور العرفيّ للفظ (البيع)، الذي يدلّ على ملكيّة البائع، ولا يصحّ تحريفه إلى بيع مجرّد حقّ الانتفاع أو الأولويّة؛ فإنّ مثل هذا التأويل خلاف للظاهر، وتحميل للرواية ما لا يحتمله سياقها العرفيّ.
فالنهاية أنّ حافر البئر هو مالك للبئر ومائها؛ لأنّ قانون الحيازة التملّكيّة على الموارد الطبيعيّة ينطبق عليه تمامًا؛ ولأنّ فحوى الروايات الدالّة على بيع الشِرب تؤيّد هذا المعنى صراحةً.
3ـ الأدلّة الدالّة على حرمة منع وبيع فضل الماء
صحيح أنّ بعض الروايات قد وردت بصيغة مطلقة في حرمة منع أو بيع فضل الماء، بحيث يظهر التعارض بينها وبين طائفةٍ أُخرى من الروايات التي تدلّ على جواز بيع الشِرب. لكن ثمّة روايات خاصّة قد فسّرت هذا المنع بتعليلاتٍ ترتبط بالمفسدة المترتّبة عليه، منها: «لا يُباعُ فضلُ الماءِ ليُباعَ به الكلأ»، و «لا يُمنَعْ فضلُ الماءِ ليُمنَعَ به الكلأ»، و «قَضَىﷺ بَيْنَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَنَّهُ لا يُمْنَعُ فَضْلُ مَاءٍ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ كَلَإٍ» وتُعدّ هذه الروايات قرائن مهمّة للجمع بين الطائفتين، وتُظهر بوضوح أنّ العِلّة الأساسيّة في تحريم المنع أو البيع هي الخوف من حرمان الآخرين من الاستفادة من المراعي الطبيعيّة. فإنّ الرعي دون توفّر الماء للماشية يصبح بلا جدوى، بل مستحيلًا عمليًا.
وعليه، فإنّ الشارع المقدّس قد ألزم المالك بالتنازل عن بعض آثار ملكيّته في هذا المورد، وهو منع الآخرين من استعمال الفضل بلا عوض. وذلك من أجل ضمان استدامة الانتفاع العام من الموارد الطبيعيّة، وخصوصًا المراعي. وأمّا احتمال أن يكون الحكم الوارد في هذا المورد مجردَ حكمٍ ولائيٍّ أصدره النبي9، وليس من قبيل حكم الله تعالى الثابت والدائم، فلا يتجاوز ـ عندي ـ مستوى الاحتمال، ولا أرى أنّ تعبير (قضى) وحده كافٍ في استظهار الطابع الولائي للحكم. بل أرى أنّ هذا التعبير ينسجم تمام الانسجام مع كونه حكماً إلهياً. كما أنّ الأصل في الأحكام الشرعية هو اشتراكها بين المكلّفين وثباتها عبر الزمان، ما لم يدلّ دليلٌ خاصّ على خلاف ذلك.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الروايات التي تُجيز بيع فضل الماء ناظرة إلى الظروف التي لا يكون فيها بجوار منبع الماء مرعى طبيعي، بحيث لا يؤدّي بيع الماء إلى حرمان الناس من استخدام الكلأ. وفي مثل هذه الموارد، لا يكون هناك منع أو إلزام خاص، ويُصبح بيع فضل الماء جائزًا ضمن إطار الملكيّة الشرعيّة.
4ـ الأدلّة الدالّة على البُعد الأخلاقي
من جهة أُخرى، وردت مجموعة من الروايات بشأن منع فضل الماء بأُسلوبٍ أخلاقيّ، لا من منطلق إلزامٍ حقوقيّ، بل بصيغةٍ توجيهيّةٍ تهدف إلى ترسيخ القيَم الفاضلة والتكافل الاجتماعي. فهذه النصوص تدعو إلى الكرم والإيثار في موارد الاستفادة من المياه، لا سيما في سياق الموارد الطبيعيّة الحيويّة.
فعلى سبيل المثال، ورد في بعضها أُسلوبٌ زجريٌّ وتهديديّ، كما في قوله: «مَن مَنَعَ فَضْلَ الماءِ لِيَمنَعَ بهِ الكَلأَ، مَنَعَهُ اللهُ فَضلَ رَحمَتِهِ يَومَ القِيامَةِ». وفي رواياتٍ أُخر نجد خطابًا تحفيزيًّا أخلاقيًّا، كما جاء في الجواب عن سؤالٍ حول ما لا يجوز منعه: «الماء»، ثمّ أُتبع بقوله: «أن تفعل الخير خير لك»، وهو ما يظهر الروحيّة الأخلاقيّة الحاثّة على العطاء.كما أنّ بعض الروايات تسلك منحى تعاونيًّا وإنسانيًّا، وتدعو إلى المشاركة في الموارد الطبيعيّة، منها: «المسلمُ أخو المسلم، يسَعُهُما الماءُ والشجر، ويتعاونانِ على الفتّان».
يتّضح من مجمل هذه النصوص أنّها لا تهدف إلى بيان الحكم الشرعيّ الإلزاميّ الذي يُحتجّ به في القضاء أو الفتوى، بل تتجه إلى تعزيز الجانب الأخلاقيّ في التعامل مع الموارد المشتركة، ولا سيّما الماء، لما له من دورٍ جوهريّ في التكافل والاستقرار المجتمعي.
النتيجة العامّة للبحث
بعد دراسةٍ شاملةٍ للأدلّة وتحليلٍ دقيقٍ للإشكاليّات الفقهيّة المرتبطة بملكيّة ماء البئر، توصّلت هذه الدراسة إلى أربعة أحكام رئيسة، تشكّل في مجموعها صورة متكاملة لنظام الأحكام الشرعيّة بشأن هذا الموضوع، كما تُوفّر إطارًا لفهمٍ منسجمٍ للأدلّة الظاهرة في ظاهرها بالتعارض، ومن الممكن أن يكون رأي شيخ الطائفة الأعظم الطوسي منسجماً مع هذا الاتجاه أيضاً، وأن يكون مقصوده من (حق الأولوية) هو الإشارة إلى محدودية آثار الملكية في هذا المورد، لا نفي أصل الملكية. فلا يوجد أيّ تهافت في كلماته. وخلاصة هذه الأحكام الأربعة هي كما يلي:
١. الأصل في الموارد الطبيعيّة
جميع الموارد الطبيعيّة، سطحيّة كانت أو باطنيّة، لا تدخل في ملك أحد بحسب الأصل، بل هي من المنافع العامّة المملوكة للأُمّة. وقد دلّت على هذا الحكم رواياتٌ عديدة، منها: «المسلمون شركاء في الماء والنار والكلأ» و«ثلاثة لا يُمنَعن: الماء والكلأ والنار»، وهي رواياتٌ مطلقة تخلو من القرائن الأخلاقيّة، وتُشير إلى الوضع الابتدائي لهذه الموارد قبل الحيازة. وهذا هو مورد اتّفاق بين الفقهاء من الشيعة والسنّة.
٢. الحيازة الفعليّة تُثبت الملكيّة
إذا حاز شخص موردًا طبيعيًّا ـ كالماء الجوفي ـ عبر حفر البئر بنيّة التملّك، فإنّ الماء الواقع داخل البئر يكون مملوكًا له شرعًا، ولو زاد على حاجته. وهذا الحكم مستند إلى قاعدة الحيازة، وإلى الفهم العرفي لِما في داخل البئر أنّه مفصول عن المادة الطبيعيّة الأصليّة. وقد دعم هذا الحكم أيضًا فحوى الروايات الدالّة على جواز بيع الشِّرب، كصحيحة سعيد الأعرج وغيرها، إذ يظهر منها أنّ البيع كان على أساس التملّك لا مجرّد حقّ الانتفاع، خصوصًا مع غياب أيّ قرينة على اختصاص الحقّ بقدر الحاجة فقط.
٣. حقّ المنع في حالات خاصّة بحكم التعليل في الروايات
في بعض الموارد، لا يجوز للمالك منع الآخرين من الانتفاع بالماء الفائض إذا أدّى ذلك إلى الإخلال بالانتفاع العام المشروع، كما في حالة ارتباط الماء بالمراعي العامّة. وقد دلّت على هذا الجمع بین الروایات المتعارضة، روايات تعليليّة، منها: «لا يُباع فضل الماء ليُباع به الكلأ»، و«لا يُمنع فضل الماء ليُمنع به الكلأ»، وهي تُشير إلى أنّ المنع هنا محرّم لما يترتّب عليه من آثار اجتماعيّة سلبيّة، لا لكون الماء غير مملوك. فالمقصود إسقاط أثر من آثار الملكيّة في موردٍ خاصّ، لا نفي الملكيّة نفسها.
٤. الدعوة الأخلاقيّة إلى الإيثار والتعاون
إضافةً إلى الأحكام الفقهيّة، توجد روايات تدعو بأُسلوبٍ أخلاقيٍّ إلى التبرّع بالماء الزائد، كقوله: «مَن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة»، أو قوله: «أن تفعل الخير خير لك». كما تؤكّد بعض النصوص على التعاون بين المسلمين في الانتفاع بالماء، مثل: «المسلم أخو المسلم، يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتّان». وهذه النصوص لا تحمل إلزامًا شرعيًّا، بل تُعزّز روح التكافل والإحسان في المجتمع الإسلامي.
وبهذا، تتّضح الرؤية الفقهيّة المتكاملة التي تجمع بين الأدلّة المختلفة، وتُزيل ما يبدو من تعارض بينها، من خلال فهمها في سياقاتها الخاصّة، وبالتمييز بين الأحكام التأسيسيّة، والتقييديّة، والتوصيّة الأخلاقيّة.
التوصيات:
- ينبغي إعادة النظر في بعض المسائل الفقهيّة المتعلّقة مباشرةً بموضوع هذه الدراسة، كمسألة حقّ الارتفاق، ضمن المؤسّسات والمجامع العلميّة، نظرًا لأهمّيتها وكثرة تطبيقاتها في الواقع المعاصر. فعلى سبيل المثال، يُعدّ حقّ الارتفاق في الفقه الإسلامي من الحقوق الثابتة لعقارٍ على عقارٍ آخر في الانتفاع، كحقّ الشرب، والمسيل، والمرور. وقد نصّ القرار رقم 171 للمجمع الفقهي الإسلامي الدولي على أنّ: «المياه المحرزة لا تُستحقّ للغير إلّا عند الضرورة وبثمن المثل». إلّا أنّ النظريّة المقدّمة في هذا البحث تستلزم تعديلين أساسيّين على هذا الحكم:
أوّلًا: ينبغي تقييد إطلاق عبارة: «المياه المحرزة»، بحيث يُصرّح بأنّ الماء الموجود داخل البئر يُعدّ من المحرزات شرعًا، ولا يقتصر وصف «المحرز» على الماء المستخرج من البئر والواقع فعليًّا تحت تصرّف المالك.
ثانيًا: في بعض الحالات ـ كالاستخدام العرفي والمشروع للمراعي العامّة ـ لا يجوز للمالك الامتناع عن التبرّع بالماء الفائض، ولا يُشترط حينئذٍ لا الضرورة ولا دفع ثمن المثل؛ بل يجب أن يُتاح الماء مجّانًا لمستحقّيه من المنتفعين عرفًا.
- أمّا المسائل الفقهيّة الأُخر التي لا تتعلّق مباشرةً بموضوع الماء، ولكنها ترتبط به ـ كمسائل الوقف، والضمان، والإجارة، ونحوها ـ من جهة أحكام الملكيّة، فينبغي إعادة تأصيلها وفقًا لمبدأ ملكيّة الماء، مع ملاحظة تخصيص بعض آثار الملكيّة ـ كالحقّ في منع الآخرين ـ في الموارد الخاصّة التي دلّ عليها الدليل، كما هو الشأن في منع بيع فضل الماء المؤدّي إلى حرمان الغير من الانتفاع بالمراعي.
الهوامش
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- الأدب المفرد، البخاري، دار البشائر الإسلامية ـ بيروت.
- إرشاد الأذهان، العلّامة الحلي، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، ط.الأُولى، 1410هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم.
- اقتصادنا، الصدر محمد باقر بن حيدر، دار التعارف ـ بيروت، ط 4، 1981م.
- الأموال، ابن زنجويه حميد بن مخلد الخراساني، تحقيق: شكر الله نعمة الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1406هـ.
- الأموال، أبو عبيد القاسم بن سلام، تحقيق: خليل محمد هراس، دار الفكر ـ بيروت.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد محمد بن أحمد (الحفيد)، ط.السادسة، 1402 هـ، دار المعرفة ـ بيروت.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، دار الفكر، بيروت، ط. ثانية، 1415هـ.
- التاريخ الكبير، البخاري، دار الفكر ـ بيروت.
- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي عثمان بن علي الحنفي، ط.الأُولى، 1314 هـ، الناشر: المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق ـ القاهرة.
- تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، العلّامة الحلي الحسن بن يوسف، مؤسسة الإمام الصادق7 ـ قم، 1410هـ.
- تذكرة الفقهاء، العلّامة الحلي الحسن بن يوسف، مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، 1420هـ.
- تفسير القمي، القمي علي بن إبراهيم، تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، ط.الثالثة، 1404 هـ، مؤسسة دار الكتاب ـ قم.
- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة، الطوسي محمد بن الحسن، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1414هـ.
- الجامع للشرائع، الحلي يحيى بن سعيد، تحقيق وتخريج: جمع من الفضلاء، بإشراف: الشيخ جعفر السبحاني، الناشر: مؤسسة سيد الشهداء العلمية ـ قم، محرم الحرام 1405 هـ.
- جامع المقاصد في شرح القواعد، المحقق الكركي علي بن الحسين، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، ط.الأُولى، 1410هـ.
- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، النجفي الشيخ محمد حسن بن باقر، ط. القديمة، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الدسوقي أحمد بن أحمد، ط. الحلبي، مصر، بدون تاریخ.
- درر اللآلئ، ابن أبي جمهور الأحسائي، مؤسسة آل البيت :لإحياء التراث ـ قم.
- الدروس الشرعية في فقه الإمامية، الشهيد الأول محمد بن مكي، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، ط.الثانية، 1417هـ.
- الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني محمد بن مكي العاملي، تحقيق وتعليق: السيد محمد كلانتر، نشر: انتشارات داوري ـ قم، ط.الأُولى، 1410 هـ.
- زوائد مسند الإمام أحمد، عبد الله بن أحمد ابن حنبل، الناشر: المكتب الإسلامي ـ بيروت، 1403 هـ/1983 م، ج 5، ص 327.
- السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي، ابن إدريس الحلّي محمد بن منصور، تحقيق ونشر: لجنة التحقيق في مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، ط.الثانية، 1410هـ.
- سنن ابن ماجه، ابن ماجه محمد بن يزيد القزويني، تحقيق وترقيم وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر ـ بيروت، بدون تاریخ.
- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الفكر ـ بيروت.
- سنن الترمذي (الجامع الصحيح)، الترمذي محمد بن عيسى، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
- سنن الدارمي، الدارمي عبد الله بن عبد الرحمان، دار إحياء السنة النبوية ـ بيروت.
- السنن الكبرى، البيهقي، دار المعرفة، بيروت، بدون تاریخ.
- سنن النسائي، النسائي أحمد بن شعيب بن علي، ط.الأُولى، 1348هـ/ 1930م، دار الفكر ـ بيروت.
- شرائع الإسلام، المحقق الحلي، ج 3، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1412هـ.
- صحيح ابن حبان، ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط.الثانية، 1414 هـ/1993 م، الناشر: مؤسسة الرسالة.
- صحيح البخاري، البخاري محمد بن إسماعيل الجعفي، دار ابن كثير، بيروت.
- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، أُفست دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، عن طبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه ـ القاهرة، 1374 هـ/1955 م.
- علل الحديث، أبو حاتم الرازي، دار ابن الجوزي ـ الرياض.
- الفتاوى الهندية (الفتاوى العالمگیرية)، جماعة من العلماء، دار الفكر ـ بيروت.
- قرب الإسناد، الحميري عبد الله بن جعفر القمي، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، الطبعة: الأُولى، 1413هـ، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم.
- قواعد الأحكام، العلّامة الحلي الحسن بن يوسف، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، ط. الأُولى، 1413 هـ.
- الكافي، الكليني محمد بن يعقوب الرازي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط.الخامسة، 1363 ش، الناشر: دار الكتب الاسلامية ـ طهران.
- الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، دار الفكر ـ بيروت، 1409هـ.
- كشاف القناع عن متن الإقناع، البهوتي منصور بن يونس الحنبلي، تحقيق وتخريج: لجنة متخصصة في وزارة العدل السعودية، نشر: وزارة العدل السعودية ـ الرياض، ط.الأُولى، (2000 ـ 2008م).
- كفاية الأحكام، السبزواري المولى محمد باقر بن محمد مؤمن، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، ط.الأُولى، 1423 هـ.
- الكنى والأسماء، الدولابي، ج 1، ص 19، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ.
- المبسوط في فقه الإمامية، الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1404هـ.
- مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي، دار المعرفة، بيروت، بدون تاریخ.
- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، الهيثمي علي بن أبي بكر، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1408 هـ /1988 م.
- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، الأردبيلي المولى أحمد بن محمد، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1415هـ.
- المجموع شرح المهذب، النووي محيي الدين يحيى بن شرف، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، الناشر: مكتبة الإرشاد ـ جدة.
- مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي، تحقيق ونشر: مؤسسة المعارف الإسلامية ـ قم، ط. الأُولى، 1413 ه.
- المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله، دار الكتب العلمية، بيروت.
- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، الميرزا النوري حسين بن محمد تقي الطبرسي، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، ط.الأُولى المحققة، 1408 هـ/1987 م، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ بيروت.
- مسند أبي لعلى، أبو يعلى الموصلي إسماعيل بن محمد التميمي، تحقيق: حسين سليم أسد، ط.الثانية، الناشر: دار المأمون للتراث ـ دمشق.
- المسند، أحمد بن محمد بن حنبل، دار صادر، بيروت، بدون تاریخ.
- المسند، إسحاق بن راهويه، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مكتبة المعارف، الرياض، 1412هـ.
- مسند الشاشي، الشاشي الهيثم بن كليب، تحقيق وتخريج: د. محفوظ الرحمن زين الله، ط.الأُولى، 1410 هـ، الناشر: مكتبة العلوم والحكم ـ المدينة المنورة.
- مسند الطيالسي، الطيالسي، دار المعرفة، بيروت.
- المصنف، ابن أبي شيبة عبد الله بن محمد الكوفي العبسي، دار الفكر، بيروت.
- المعجم الأوسط، الطبراني سليمان بن أحمد، تحقيق: قسم التحقيق بدار الحرمين، الناشر: دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 هـ/ 1995 م.
- المعجم الصغير، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
- المعجم الكبير، الطبراني، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
- معرفة الصحابة، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، (مخطوط)، نسخة محفوظة في دار الكتب الوطنية ـ الرباط.
- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الخطيب الشربيني محمد بن محمد، دار الفكر، بيروت.
- وطبعة أُخرى، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
- المغني مع الشرح الكبير، ابن قدامة عبد الله بن أحمد، مكتبة القاهرة ـ مصر.
- المغني، ابن قدامة عبد الله بن أحمد، تحقيق: طه محمد الزيني وآخرون، ط.مكتبة القاهرة ـ مصر، 1388 هـ/1968م.
- مفاتيح الشرائع، الفيض الكاشاني المولى محمد محسن بن مرتضى، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، الناشر: مجمع الذخائر الاسلامية ـ قم، 1401 هـ.
- من لا يحضره الفقيه، الصدوق محمد بن علي ابن بابويه، صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، ط.الثانية، 1404 هـ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم.
- المهذب في فقه الإمامية، ابن البراج، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1406هـ.
- موسوعة الإمام الخوئي، الخوئي أبو القاسم بن علي أكبر، مؤسسة الإمام الخوئي ـ قم، بدون تاريخ.
- الموسوعة الفقهية الميسّرة، إصدار: مركز الدراسات التخصصية في فقه الإمام المهدي ـ قم، 1432هـ.
- الموطأ، مالك بن أنس، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1406 هـ/1985 م.
- نصب الراية لأحاديث الهداية، الزيلعي، دار الحديث، مصر، بدون تاریخ.
- الوافي، الفيض الكاشاني المولى محمد محسن بن مرتضى، تحقيق: مركز التحقيقات الدينية والعلمية في مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي7، ط.الأُولى، 1412 هـ، الناشر: مكتبة الامام أمير المؤمنين علي7 العامة ـ أصفهان.
- الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي، الغزالي محمد بن محمد الطوسي، دار الأرقم ودار الكتب العلمية ـ بيروت.
- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، الحر العاملي محمد بن الحسن، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، ط.الثانية، 1414 هـ، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم.
- الوسيلة إلى نيل الفضيلة، ابن حمزة الطوسي، مدرسة الإمام المهدي ـ قم، 1410هـ.
الهوامش
- (*) أُستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية ـ قم. ↩
- () ورد هذا الحكم بصراحة في العديد من المصادر لدى الفقهاء المتقدّمين والمتأخرين، منها: الشيخ الطوسي، المبسوط، باب إحياء الموات في الآبار، ج٣، ص٢٨٠؛ ابن البراج، المهذب، ص٢٨ و٣١؛ ابن حمزة، الوسيلة، ص١٣٤؛ الحلّي يحيى بن سعيد، الجامع للشرائع، ص٣٧٦؛ المحقق الحلي، شرائع الإسلام، ج٣، ص٢٧٩؛ العلّامة الحلي، قواعد الأحكام، ج٢، ص٢٣، تذكرة الفقهاء، ج٢، ص٤٠٩، السطر ٩ و١٠، تحرير الأحكام، ج٤، ص٥٠١، إرشاد الأذهان، ج١، ص٣٤٩؛ الشهيد الأول، الدروس، ج٣، ص٦٥، اللمعة الدمشقية، ص٢٤٣؛ المحقق الكركي، جامع المقاصد ج٧، ص٥٣؛ الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج١٢، ص٤٤٥-٤٤٧، الروضة البهية، ج٧، ص١٨٧؛ المقدس الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج٧، ص٥٠٥؛ المحقق السبزواري، كفاية الأحكام، ج٢، ص٥٦٦، وج١، ص٤٨٣؛ ابن إدريس، السرائر، ج٢، ص٣٨٤؛ مفاتيح الشرائع، ج٣، ص٢٥. ↩
- (). النجفي محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج٣٨، ص١١٧. ↩
- () الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 280. ↩
- () المصدر السابق نفسه. ↩
- () الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج 38، ص 117، ط. القديمة. ↩
- () الموسوعة الفقهية الميسّرة، ج 6، ص 243. ↩
- () الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج١٢، ص ٤٤٧، حيث ناقش عبارة الشيخ الطوسي في المبسوط، وجمع بين ثبوت الملكية ووجوب البذل بحمل الوجوب على حالة الاضطرار، أو حمل الأمر على الاستحباب المؤكد؛ وكذلك أُنظر: العلّامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 14، ص 260. ↩
- (). الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 7، ص 143. ↩
- (). السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص 577. ↩
- () الفتاوى الهندية ٥ / ٣٩١؛ والزيلعي، تبيين الحقائق ٦ / ٤٠. ↩
- () تبيين الحقائق ٦ / ٤٠؛ وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٢؛ والوجيز للغزالي ١ / ٢٤٤؛ والشربيني، مغني المحتاج ٢ / ٣٧٤، ٣٧٥؛ وابن قدامة، المغني المطبوع مع الشرح الكبير ٦ / ١٧٦ ـ ١٨٢؛ والبهوتي، كشاف القناع ٣ / ٢٢٥ و ٤ / ١٦٠؛ والمغني، ج 4، ص 61، ط. مكتبة القاهرة. ↩
- () أُنظر: ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج 2، ص 260الباب الثالث من كتاب الأقضية، حيث فصّل القول بين البئر في الدار والبستان، فمنع دخول الغير إليها لحرمة الملك، وبين البئر في الفدان فأوجب بذل فضل مائها بشرط عدم تضرر الزرع. ↩
- () النووي، المجموع سرح المهذب، ج 9، ص 54؛ الشربيني، مغني المحتاج، ج 2، ص 326. وقد جاء فيهما النص على أنّ الماء المحرز في البئر المملوكة يجوز بيعه، وهو المذهب الأصح للشافعية. ↩
- () سنن ابن ماجه، ج۲، ص۸۲۶، ح۲۴۷۳. ↩
- () سنن أبي داود، ج۲، ص۳۰۸؛ أحمد، المسند، ج۳، ص۴۸۱؛ الدارمي، سنن الدارمي، ج۲، ص۳۴۹؛ الدولابي، الكنى، ج۱، ص۱۹؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج۱۴، ص۲۰۶؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج۶، ص۱۵۰. ↩
- () ابن ماجه، كتاب الرهون، ج۲، ص۸۲۶–۸۲۷؛ المعجم الأوسط للطبراني، ج۶، ص۳۴۹. ↩
- () كشف الأستار، ج۲، ص۱۱۱؛ المعجم الصغير للطبراني، ج۱، ص۲4۲. ↩
- () الهيثمي، مجمع الزوائد، ج4، ص 124 ـ 125، وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير. ↩
- () البخاري، صحيح البخاري، كتاب الشرب والمساقاة، ج ۵، ح ۲۳۵۳، ۲۳۵۴، وكتاب الحيل، ج ۱۲، ح ۶۹۶۲؛ الترمذي، سنن الترمذي، أبواب البيوع، ۳/۵۷۲؛ مالك، الموطأ، ۲/745، ح 32. ↩
- () صحيح البخاري، كتاب المساقاة (الشرب)، ج 5، ح 2358، وكتاب الشهادات، ح 2672، وكتاب الأحكام، ج 13، ح 7212، وكتاب التوحيد، ج 13، ح 7446؛ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ج 1، ص 103؛ السجستاني، سنن أبي داود، كتاب البيوع، ج 3، ص 749 ـ 750؛ النسائي، سنن النسائي، كتاب البيوع، ج 7، ص 247؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب التجارات، ج 2، ص 744، وكتاب الجهاد، ج 2، ص 958؛ أحمد، المسند، ج 2، ص 253، 480. ↩
- () أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص ۵۰۶. ↩
- () المصدر السابق، ص 179، 221؛ الطبراني، المعجم الأوسط، ج 2، ص 45. ↩
- () الميرزا النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 17، ص 116. ↩
- () أبو يعلى الموصلي، مسند أبي يعلى، ج 2، ص 142. ↩
- () عبد الله بن أحمد، زوائد المسند، ج 5، ص 326–327؛ مسند الشاشي، ج 3، ص 130ـ131؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج 4، ص 204. ↩
- () ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب الرهون، ج 2، ص 828؛ إسحاق بن راهويه، المسند، ج 2، ص 566؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج 10، ص 133. ↩
- () الطبراني، المعجم الكبير، ج 22، ص 61. ↩
- () المصدر السابق، ج 7، ص 260. ↩
- () الكليني، الكافي، ج 5، ص 294؛ الفيض الكاشاني، الوافي، ج 18، ص 1015. ↩
- () من لا يحضره الفقيه، ج3، ص 238. ↩
- () الإمام الخمیني، الرسائل 1/ 55 ـ 58. ↩
- () البخاري، صحيح البخاري، كتاب المساقاة، ج ۵، ح ۲۳۵۳، ۲۳۵۴، وكتاب الحيل، ج ۱۲، ح ۶۹۶۲؛ مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساقاة 3/ 1198ح 1566. ↩
- () أحمد، المسند، ج 2، ص 420؛ ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج11، ص332 ح 4956، بلفظ: (لا تمنعوا فضل الماء...). ↩
- () مسلم، صحيح مسلم، كتاب المساقاة، ج 3، ص1197؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب الرهون، ج 2، ص 828، ح 2477؛ ابن أبي شيبة، المصنف، ج 5، ص 110؛ أحمد، المسند، ج 3، ص 356؛ ابن حبان، صحيح ابن حبان، ج 11، ص 329، وفي ذيله: (ليمنع به الكلأ). ↩
- () أبو داود، سنن أبي داود، كتاب البيوع، ج 3، ص 751؛ النسائي، سنن النسائي، كتاب البيوع، ج 7، ص 307؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه، كتاب الرهون، ج 2، ص 828؛ أحمد، المسند، ج 3، ص 417، وج 4، ص 138؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج 1، ص 269 ـ 270. ↩
- () النوري، مستدرك الوسائل، ج 13، ص 243. ↩
- () الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 7، ص 143. ↩
- () سنن أبي داود، كتاب البيوع، ج ٣، ص٧٥٠ ـ ٧٥١؛ ابن أبي شيبة، المصنف، ج 5، ص 391؛ أحمد، المسند، ج٥، ص٣٦٤؛ البخاري، التاريخ الكبير، ج٣، ص٨٥ (ساق الإسناد ولم يذكر الحديث)؛ أبو حاتم، علل الحديث، ج١، ص٣٢٢ ـ ٣٢٣؛ ابن عدي، الكامل، ج٢، ص٤٥٢؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج٦، ص١٥٠. ↩
- () الطوسي، تهذيب الأحكام، ج٧، ص١٤٦. ↩
- () أحمد مبلغي، درس السطوح العليا (البحث الخارج) في الحوزة العلمیة بقم، لسنة 1446 هـ. ↩
- () أبو داود، سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، ۳/۴۵۱–۴۵۲؛ أبو عبيد، الأموال، ص 372، ح 730، وانظر: ص 375، ح 739؛ وعنه ابن زنجويه، الأموال، ج 2، ص 660، ح 1090؛ الطبراني، المعجم الكبير، ج 25، ص 10؛ أبو نعيم، معرفة الصحابة (مخطوط)، ۲/۳۶۶ (أ). ↩
- () الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج 3، ص 280. ↩
- () الحر العاملي، وسائل الشيعة 19/18 ـ 20، باب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1و3. ↩
- () شيخ الطائفة الطوسي، المبسوط، ج ۱، ص ۲۸۱، و ج ۳، ص ۲۸۰. ↩
- () السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص ۸۴۲ ↩
- () الطوسي، المبسوط، ج 1، ص 281؛ النجفي، جواهر الكلام، ج 13، ص 116. ↩
- () النجفي، جواهر الكلام، ج 38، ص 117. ↩
- () الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج۳، ص۵۴۲، الباب ٥٦ من ابواب أحكام المساجد، الحديث ٢. ↩
- () ابن أبي جمهور، عوالي اللآلي، ج۳، ص۴۸۰. ↩
- () الطوسي، المبسوط، ج۳، ص۲۶۸. ↩
- () العلّامة الحلي، منتهى المطلب، ج۵، ص۴۲۰، وفي تذكرة الفقهاء، ج۲، ص۴۰۳. ↩
- () فخر المحققين، إيضاح الفوائد، ج۲، ص۱۳۹. ↩
- () النجفي، جواهر الكلام، ج۳۸، ص۱۱۷. ↩
- () الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، ج۳۷، ص۲۳۹. ↩
- () الکافي، ج 5، ص 277، ح 1؛ وسائل الشیعة، ج 25، ص 418، ح 32253. ↩
- () تهذیب الأحکام، ج 7، ص 139 ـ 140، ح 2؛ وسائل الشیعة، ج 17، ص 374 ـ 375، ح 22780. ↩
- () الحميري، قرب الإسناد، ص 262؛ وسائل الشیعة، ج 17، ص 375، ح 22782. ↩
- () جواهر الکلام، ج13، ص117 ↩
- () جواهر الکلام، ج13، ص117. ↩