الشيخ أبو القاسم علي دوست(1*)
تتناول هذه المقالة بالنقاش والتحليل المدارس والاتجاهات الفقهيّة الثلاثة: الاكتفاء بالنص(2)، الاكتفاء بالمقاصد(3)، ومحوريّة النص بالنظر إلى المقاصد(4).
ثمّة مدارس فقهيّة في كيفيّة تعامل الفقيه مع النصوص المبيّنة للمقاصد في عمليّة الاستنباط، سوف نشير إليها تباعاً من خلال خمسة مباحث على النحو التالي:
أوّلاً ـ بيان عدّة نماذج
قبل أن نصدر أيّ حكم، ونمارس الحدس والظن فيما يرتبط ببيان حقيقة كلّ من هذه المدارس الفقهيّة الثلاث، نلفت النظر إلى النماذج الثلاثة التالية:
1ـ ورد في معتبرة أبي ولّاد أنّه قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرتُ أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجّهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرتُ أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد، فأتبعته وظفرت به وفرغت ممّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعت واُرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة، وأخبره الرجل، فقال لي: وما صنعت بالبغل؟ فقلت: قد دفعته إليه سليماً، قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً، فقال: ما تريد من الرجل؟ قال: اُريد كرى بغلي، فقد حبسه عليَّ خمسة عشر يوماً، فقال: ما أرى لك حقّاً؛ لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكرى، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكرى، قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله 7بما أفتى به أبو حنيفة، فقال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها»، قال: فقلت لأبي عبد الله7: فما ترى أنت؟ قال: «أرى له عليك مثل كرى بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل، ومثل كرى بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كرى بغل من بغداد إلى الكوفة توفيه إيّاه»(5).
لقد انعكس الرأي الذي نُسب إلى أبي حنيفة في هذه المعتبرة كمادة قانونيّة عامّة في المادة 596 من (المجلة) في الفقه الحنفي بهذه العبارة: «لو استعمل أحد مالاً بدون إذن صاحبه كان غاصباً فلا يلزمه ضمان منافعه».
2ـ قال العيايلي: «إنّ العقوبات المنصوص عليها في الحدود ليست مقصودةً بأعيانها حرفيّاً، بل بغاياتها، فحدّ السرقة وحدّ الحرابة، وحدّ الزنا يمكن استبدالها بعقوبة اُخرى إذا كانت تقوم مقامها وتؤدّي غايتها.
إنّ العقوبة في الإسلام ليست للثأر والتشفّي، بل لصيانة المجتمع، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوّهين، هذا مقطوع اليد، والآخر الرِجل، وذاك مفقود العين أو مصلوم الاُذُن أو مجدوع الأنف، فهذا لا يُعقل أن يكون من مقاصد الشريعة...»(6).
3ـ قال السيّد الشهيد الصدر: «فإنّ الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضمن المبادئ الأساسيّة التي يتكوّن منها مذهبه الاقتصادي لم يتبنَّ العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام، ولم ينادِ بها بشكلٍ مفتوح لكلّ تفسير، ولا أوكله إلى المجتمعات الإنسانيّة التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية باختلاف أفكارها الحضاريّة ومفاهيمها عن الحياة، وإنّما حدّد الإسلام هذا المفهوم وبلوره في مخطّطٍ اجتماعيٍّ معیّن، واستطاع ـ بعد ذلك ـ أن يجسّد هذا التصميم في واقعٍ اجتماعيٍّ حيّ تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة.
فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعيّة، إنّما يجب أن نعرف أيضاً تصوّراته التفصيليّة للعدالة ومدلولها الإسلامي الخاص»(7).
وذكر بعض الحقوقيين فيما يرتبط بالنموذج الثالث أنّ القاضي مأمور بتنفيذ القانون، فلا يحقّ له الإعلان عن أيّ قانون ظالم، أو تنفيذ ما يظنّه عدلاً، فهو مقيّد باُطر ما يقنّنه المقنّن ويعدّه للنظام الحقوقي، وعليه الدفاع عن القانون، ولا بدّ للعدل أن ينسجم مع الأخلاق وروح القانون؛ لذا لا بدّ من معرفة الاُطر القانونيّة وكيفيّة التعامل معها(8).
ثانياً ـ المدارس والاتجاهات الفقهيّة الثلاثة
هذه النماذج الثلاثة ـ التي كلّ واحدٍ منها يمثّل وينوب عن آلاف الموارد في المتون الفقهيّة والقانونيّة(9) ـ هي من أهم المناهج الفقهيّة الحيّة والحاضرة في عمليّة الاستنباط، وهي بحاجةٍ إلى بحثٍ ودراسةٍ جدّيةٍ على الرغم من الاختلاف الأساسي بلحاظ الهيئة الاُصوليّة والفقهيّة، لكنّنا نرى ـ قبل دراسة هذه النماذج وبيان ما حصل سابقاً ـ ضرورة ذكر المقدّمة التالية:
إنّ الآيات القرآنيّة، والسنن والروايات التي وصلتنا عن الأئمّة المعصومين: تنقسم بلحاظ الاختلاف في المضمون إلى أقسام، فبعضها يبيّن الأحكام والاعتبارات الإلهيّة، وبعضها يبيّن مقاصد الله تعالى من بعث الرسل وإنزال الكتب وتشريع القوانين والمقرّرات، وبعضها يبيّن التاريخ وسنن الماضين، وبعضها يدلّ على الحقائق والاثباتات وغير ذلك.
والمراد في المقام ـ والذي هو محلّ نظرنا ـ هو القسمان الأوّليان، أي النصوص المبيّنة للأحكام، والنصوص المبيّنة للمقاصد(10).
ولمزيد من البيان، مع التركيز على المثال المرتبط بالقسمين الأوّليين لا بدّ من القول:
المراد من القسم الأوّل ـ الاكتفاء بالنص ـ النصوص المبيّنة للشريعة والمقرّرات الإلهيّة التي بلغت حدّ الظهور من قِبل الشارع باعتباره مقنّناً، حيث صاغها بصيغةٍ انشائيّة أو خبريّة لغرض بيان الحكم الوضعي أو التكليفي منها.
وثمة الكثير من الآيات القرآنيّة والأحاديث المرويّة عن النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار هي من هذه الطائفة، وحيث إنّ هذه النصوص تعدّ سنداً ودليلاً للمجتهد لأجل الكشف عن أحكام الشريعة الإلهيّة، عبّر عنها الفقهاء وعلماء اُصول الفقه بـ (الأسناد)، (المنابع)، (الأدلة) و(مدارك الأحکام).
تمتاز هذه النصوص في الغالب ـ كسائر المواد القانونيّة الموضوعة من قِبل الانسان ـ بوضوح مداليلها، كما في الدلالة على الحكم في قوله تعالى مثلاً: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾(11)، فقد تضمّن النص الأوّل بيان النهي عن خلط الحقّ بالباطل، والنهي عن كتمان الحقّ عن علم، فيما تضمّن النص الثاني بيان التكاليف، وهي الصلاة والزكاة والركوع.
فهاتان الآيتان هما دليل الفقيه في الفتوى بالحرمة في المورد الأوّل، ووجوب الموارد الثلاثة الأخيرة، وبعض التكاليف المبيّنة في هذين النصّين الشرعيين كالصلاة والزكاة وإن كانا بحاجةٍ إلى بيانٍ شرعيٍّ لكي تُعرف حدودهما وكيفيّتهما وما يُشترط فيهما، لكنّهما بالتالي يدلّان على عمل معلوم البداية والنهاية، بحيث تكون مصاديقهما واضحةً في الخارج بعد البيان الشرعي، وقد اُريد من المكلّف الإتيان بهما.
ولا بدّ من القول بأنّ الأدلّة المعتمدة لدى الفقيه لا تنحصر بالكتاب العزيز والسنّة الشريفة، فإنّ مشهور فقهاء الشيعة يرون أنّ الكتاب العزيز والسنّة الشريفة هي المصادر التي لها صلاحيّة بيان الحكم الشرعي، ولا بدّ من إضافة الإجماع والعقل إلى المصادر المبيّنة للشريعة.
والمراد من عنوان القسم الثاني ـ الاكتفاء بالمقاصد ـ ليس هو الآيات والروايات المبيّنة للحكم والقانون، بل المراد بيان المقاصد الكلّية للشارع منهما.
إنّ النصوص من الكتاب والسنّة ليست هي لبيان الشريعة فحسب، بل هي جمل خبرية تُخبر عن المقصد أو المقاصد الرفيعة والعالية للشارع من وراء جعل التكاليف فيها، فإن جاء التعبير عنها بصيغة الإنشاء مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾(12)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾(13) فليس المراد بذلك بيان الحكم والتكليف الخاص فقط، بل يُفهم منه بيان الخطوط العامّة والكلّية للرسالة التي لا بدّ من بيانها من خلال ذكر مصداق أو مصاديق وطرق تحقّقها بصيغة أوامر خاصّة مثل الأمر بالصلاة والحج، من دون أن تأتي بتكليفٍ أو تبيّن شيئاً.
ولا يخفى أنّ الآيات والروايات في هذا القسم كثيرة، وهي لا تبيّن المقاصد الكلّية لله تعالى، بل تبيّن حكمة جعلٍ خاصّ، كما ورد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(14)، وما ورد في الحديث الشريف: «والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر...»(15)، فقد بيّن هذان النصّان الحكمة من تشريع الصوم والصلاة؛ لذا فإنّ التعبير عن هذا القسم من النصوص بالنصوص المبيّنة لعلل الشرائع في محلّه.
ثمّ إنّ المتعارف تفسير مقاصد الشريعة بالمقاصد الكلّية والعامّة للشارع من قبيل بعث الرسل وإنزال الكتب وتشريع القوانين والمقرّرات، لا تفسيرها بشكلٍ موردي وجزئي(16)، وتفسير النصوص المبيّنة للمقاصد أيضاً بالأدلّة التي ترشد إلى غرضٍ أو عدّة أغراضٍ كلّيةٍ لله تعالى.
وبالبيان المتقدّم نصل إلى التساؤل التالي: ما هي العلاقة بين النصوص المبيّنة للمقاصد مع استنباط الأحكام؟ وهل يستطيع الفقيه الاستفادة من هذه الطائفة من الأدلّة في استنباط الأحكام؟ وعلى فرض الجواز أو لزوم الاستفادة(17) من النصوص المبيّنة للمقاصد، ما هو حدّ ذلك؟
إذن، اتضح من خلال هذا التقسيم(18) الواسع أنّ هناك ثلاثة اتجاهات فقهيّة قد انعكس كلّ واحد منها في أحد النماذج الثلاثة المتقدّمة، وهنا نحاول دراسة كلّ منها:
النموذج الأوّل ـ (الاكتفاء بالنص) وبيان مدرسته الفقهيّة
لا ريب في أنّ كلّ أحد يرى لأوّل مرّة الرأي المذكور في النموذج الأوّل سيعجب من ذلك، وهو أنّ الغاصب لمال الغير لا يكون ضامناً لمنافعه؛ فإنّ هذا الرأي مخالف للعقل وسيرة العقلاء، فكيف أفتى به أبو حنيفة ومن تبعه من فقهاء المذهب الحنفي، وجاء في القانون المدني العثماني؟
لم يُشر حديث أبي ولّاد إلى رأي أبي حنيفة، بل ما ورد فيه من وجهٍ ليس إلّا مصادرةً للمطلوب(19)، وقد صرّح بعض شرّاح (المجلة) المعروفين من طرف خفي أنّ فتواه التي ذكرها جاءت بتأويل خاطئ للحديث النبوي(20).
لقد أخطأ أبو حنيفة في فهم النبوي المعروف: «الخراج بالضمان»(21)، حيث إنّه غضّ الطرف عن أنّ مثل هذه الفتوى هل تنسجم مع مقاصد الشريعة ـ كالعدل ولزوم احترام مال الغيرـ أم لا؟
وهذا الرأي (رأي أبي حنيفة) موجود اليوم بين بعض المتصدّين لعمليّة الاستنباط حتى من غير الأشاعرة المنكرين لمقاصد الشريعة وغاياتها في الأفعال(22)، وكذا ذهب اليه بعض المعاصرين، ممن يتفقون مع أبي حنيفة في المنهج، بشكلٍ واضحٍ وملموس، لكنهم يختلفون معه في مثل المسألة المذكورة في معتبرة أبي ولّاد ـ وذلك إمّا لقول الإمام الصادق 7في تلك الرواية، أو لعدم تماميّة النبوي: «الخراج بالضمان» عندهم ـ مع أنّه لا يخفى أن لا رأي لديهم سوى رأي أبي حنيفة.
أمّا بالنسبة للاكتفاء بالنص المعتبر والاستنباط ـ بغضّ النظر عن أيّ نصٍّ مبيّن لمقاصد الشريعة وغاياتها السامية ـ فقد اتبعوا في ذلك نهجاً معيّناً، إلى حدٍّ لم يُقم أحدهم وزناً لمقولة العدل في سلسلة علل الأحكام، وآخر لم يعثر على دليلٍ لحرمة إيذاء غير المؤمن الإمامي، (والملائكة).
وعلى كلّ حال، ليس الذين يمثلون هذا الفكر هم وحدهم أصحاب الفتاوى المشار اليها في معتبرة أبي ولّاد، بل هناك فقهاء معروفون من الإماميّة وغيرهم قد اعتمدوا على مثل هذا الاعتقاد في إصدار العديد من الفتاوى.
لقد اكتفى هؤلاء بالنص المبيّن للحكم، ولم يلحظوا المقاصد الكلّية والنصوص المبيّنة للمقاصد الدينيّة، ولم يدرسوها ويفتوا على أساسها، وإن كانت تلك الفتاوى لا تحقّق الأهداف والأغراض الكلّية للشرع.
نعم، قد يشيرون أحياناً إلى المقاصد بعباراتٍ مثل: اُصول المذهب، الذوق الفقهي، شمّ الفقاهة.
لكن قلّة تلك الموارد، وعدم الانضباط والتحديد الدقيق لهذه المفاهيم في كلمات هذه الجماعة، وعدم الاستفادة منها لغرض تفسير النصوص، كلّ ذلك أدّى إلى أن لا يكون لمقاصد الشريعة دور مؤثّر في اجتهاد هؤلاء، وصاروا يمرّون عليها أحياناً مرور الكرام(23).
وهذه هي النكتة السلبيّة في منهج الاجتهاد(24)، كما أنّ الانضباط، التقعيد البدوي والشفافية تعدّ من النقاط الايجابيّة؛ وذلك أنّ الاعتماد على الأدلّة الشرعيّة كالكتاب العزيز والسنّة والاجماع يمنع من الاعتماد على الاجتهادات الظنيّة والاستحسانات، ويمضي بالاجتهاد إلى الأمام ما دام يسير ضمن إطار الأدلّة الشرعيّة المعتبرة.
ولعلّ سبب اهتمام الكثير من الفقهاء بهذا المنهج هو هذه النكتة الإيجابيّة فيه.
النموذج الثاني ـ (الاكتفاء بالمقاصد) وبيان الحركة الفقهيّة
يرى مَن يعتقد بالنموذج الثاني أنّ للشارع المقدّس في أحكامه وتشريعاته ـ التي جعلها في هيئات وأنحاء خاصّة ـ أهدافاً نعبّر عنها بمقاصد الشريعة، كما كان له في بعث الرسل وإنزال الكتب أهدافاً أيضاً، وحيث إنّ الأصل هو اعتماد تلك الأهداف؛ لذا على الفقيه المتصدّي لعمليّة الاستنباط الكشف عن هذه الأهداف والمقاصد من خلال الرجوع إلى العقل والنصوص الدينيّة المبيِّنة للمقاصد، بحيث يؤمّن الحكم المستنبط تلك الأهداف ويحقّقها.
ولا يخفى أنّ الرجوع إلى النصوص المبيِّنة للشريعة في عملية الاجتهاد لا إشكال فيه، لكن بشرط أن يكون ذلك منسجماً مع تلك المقاصد، وإلّا لا يمكن الاستناد إليها.
وفي هذه الحركة الفقهيّة ـ الاكتفاء بالمقاصد ـ مفاهيم مثل: العدل، التربية، المعروف، ذات سابقةٍ دينيّة بالكامل.
ثمّ إنّ الوضع في العبادات والنصوص المبيِّنة لكيفيّتها قد يختلف قليلاً؛ لذا لا بدّ من الالتفات إلى النصوص المبيِّنة للأحكام.
ولنجم الدين الطوفي ـ وهو من المتصدّين لعمليّة الاستنباط المنسوبين إلى هذه الحركة الفقهيّة ـ كلامٌ حاصله: كلّما تعذّر في المعاملات الجمع بين الأدلّة النقليّة والمصلحة ـ بصفتها المقصد الأصلي للشارع ـ تُقدّم المصلحة. لكن في العبادات التي لا يُعلم كيفيّتها إلّا عن الطريق الشرعي، لا بدّ من معرفة النص المبيِّن للشريعة أو الإجماع(25).
وممّا يُذكر أنّ أصحاب هذه النظرية ـ وجميعهم أو أكثرهم لا معرفة له باُصول الاجتهاد ـ يرون أنّ الاجتهاد والفتاوى التي تستند إلى أدلّةٍ معتبرة عاجزة عن الإجابة، وأكّدوا كثيراً على ضرورة التغيير الكلّي للفتاوى وطريقة الاجتهاد الموجود والمتعارف؛ وذلك للوقوف على النص وعدم الالتفات التام للمقاصد العظيمة والكثيرة للشارع المقدّس.
وحسب تعبير البعض من هؤلاء: نحن بحاجة إلى الاجتهاد في الاُصول لا في الفروع، فإنّه بالترقيع الفقهي لا يمكن الإجابة عن التطوّر العلمي والمسائل الاجتماعيّة والثقافيّة المعاصرة والحديثة(26).
وعلى هذا الأساس، فإنّ هذا النوع من التفكير ـ الذي يرتبط بالفقه كحركةٍ ومدرسةٍ فقهيّةٍ إلى جانب الحركات العلميّة الاُخر ـ لا ينبغي أن يكون بمعنى الاعتراف بأنّه مدرسةً ومنهجاً في الفقاهة الموجودة، ولا ينبغي الاعتقاد بأنّ جماعةً من فقهاء الإماميّة وغيرهم جزءاً من هذا المنهج، وأنّهم من روّاد هذه الحركة الفقهيّة، وليس ذكرنا لهذا المنهج إلّا للدعاية الواسعة التي انتشرت له داخل البلاد (ايران) وغيرها، بأنّه المنهج الفقهي الناجح والوحيد الذي استقطب بعض روّاد مسيرة الاجتهاد اليه(27)، وأنّه لا ينبغي لأيّ عملٍ بحثيٍّ يتكفّل بيان المناهج الفقهيّة أن يخلو من ذكر هذا المنهج والحركة الفقهيّة.
النموذج الثالث ـ (محوريّة النص بالنظر إلى المقاصد) وبيان المنهج الفقهي
تقدّمت الإشارة إلى هذا النموذج الثالث من أنّ العدالة الاجتماعيّة في الإسلام وإن كانت من المبادئ الأساسيّة في تشكيل الخط الاقتصادي للإسلام، لكنّ دين الإسلام لم يطرح هذا المفهوم كمفهوم تجريدي محض، بحيث يكون قابلاً للتفسير بأنحاء مختلفة، بل استعرضه ضمن جملةٍ من سياساته واُمور معيّنة.
وطبقاً لهذا البيان يكون الفقيه في استنباط الأحكام المتعلّقة بالنظام الاقتصادي ـ مع أخذه بنظر الاعتبار أهداف الشارع السامية كالعدالة الاجتماعيّة ـ ملزماً أيضاً برعاية الاُطر العامة والنصوص المبيِّنة للأحكام الهادية إلى هذه الاُمور، ومن ثمّ استنباط الحكم الشرعي.
وهنا نصل إلى بيان المنهج الفقهي الثالث طبقاً لهذه الحركة الفقهيّة، فإنّ مقاصد الشريعة والنصوص المبيِّنة على الرغم من كونها مبيِّنةً للمقاصد لا يمكن أن تكون مباشرةً وبالأصالة قاعدةً وسنداً ودليلاً للفقيه في استنباط الأحكام الشرعيّة.
إنّ مصادر الاستنباط عبارة عن الأدلّة المبيِّنة للحكم الشرعي، لكن مع ذلك لا بدّ للفقيه من الالتفات الدائم والدقيق إلى النصوص المبيّنة للمقاصد في الاستنباط وكشف الأحكام عن الأدلّة والمصادر المعتبرة؛ وذلك أنّ التفات الفقيه وفهمه لتلك الأدلّة يختلف في الكثير من الموارد عن فهمه لها إن لم يلتفت إلى المقاصد.
وبيان هذه النظرية وفرقها عن غيرها من النظريات يتمّ من خلال بيان أربعة اُصول:
الأصل الأوّل: أنّ الشارع المقدّس ـ كسائر جميع المصلحين وأصحاب النظريات ممّن له أهداف وبرامج ـ له مقاصد وبرامج أيضاً، بحيث تتحقّق أهدافه وأغراضه من خلال تنفيذ تلك البرامج، وهذه البرامج هي عبارة عن أحكام الشريعة التي تمهّد الطريق للوصول إلى تلك المقاصد.
الأصل الثاني: عبارة عن أحكام دالّة على وجود برنامج يقتضي وجوب العمل بها، وهذه الأحكام بشكلٍ عام هي برامج واضحة لها بداية ونهاية شفافة، في حين أنّ المقاصد هي من سنخ النتائج وليس لها مثل هذه الخصوصيّة، فالصلاة ـ مثلاً ـ هي برنامج شُرّع بقصد ابتعاد المصلّي عن الفحشاء والمنكر(28) والتقرّب إلى الله تعالى، فإنّ لهذه العبادة بداية ونهاية واضحة، بحيث يمكن تكليف المكلّفين بها، في حين أنّ الابتعاد عن الفحشاء والمنكر والتقرّب إلى الله(29) الذي بيّنه الشارع كهدف ومقصد للصلاة غير واضح، وقد فُسّر بتفاسير مختلفة، وهذه الخصوصيّة موجودة أيضاً في مثل الوضوء، الحجّ والصوم، وأهدافها جارية كما في الصلاة.
الأصل الثالث: أنّ الاجتهاد عبارة عن عمليّة كشف واستنباط أحكام الشريعة من النصوص المبيّنة في الأحكام، فإنّ النصوص المبيّنة للأحكام ـ بحكم كونها مبيّنةً للحكم والبرنامج ـ لها مضامين وبرنامج واضح؛ ولذا لها صلاحيّة استناد الفقيه إليها في استنباط الأحكام، خلافاً للنصوص المبيّنة للمقاصد فإنّها ـ بسبب عدم بيان برنامج وحكم خاص فيها ـ ليس لها ذلك الوضوح وتلك الصلاحيّة.
الأصل الرابع: إنّ المقاصد والنصوص المبيّنة لها ـ على الرغم من عدم صلاحيّتها في الاستناد للكشف عن الحكم ـ لا يمكن أن تكون مقياساً في صحّة وبطلان سائر الأدلّة، أو تكون من مصادر عمليّة الاجتهاد، لكن ممّا لا يُنكر أنّ المقاصد هي روح ولبّ الشريعة، وهي كثوبٍ يغطّي الشريعة بشراشره.
وحاصل هذه الاُصول الأربعة ليس إلّا بيان المنهج الصحيح في الاجتهاد المستند إلى النصوص المبيّنة للحكم في جميع الموارد، وأنّ هذه النصوص المبيّنةٌ للحكم لا بدّ أن تكون مستنداً للفقيه في الإفتاء في كلّ شيء.
إنّ اهتمام الفقيه بالمقاصد وتفسير النصوص المبيّنة للحكم في ظلّ المقاصد هو الذي يصوغ ويبلور فهمه للأدلّة، وكذا لحاظ وفهم مجموع الأدلّة الشرعيّة، فإنّ له الأثر البالغ في فهم وتفسير النصوص المبيّنة للحكم.
ثمّ إنّ اهتمام المتصدي والمتكفّل لعمليّة الاستنباط بالمقاصد الشرعيّة السامية تارةً يترك أثره بشكلٍ مباشر على فهم مداخل ومصطلحات الدليل المبيّن للحكم، فيظهر للمستنبط معنىً خاص من الدليل قد لا يظهر أبداً في الوهلة الاُولى، وفي حدود فهم المصطلحات من دون الالتفات إلى المقاصد.
إنّ الغاء الخصوصيّة وتعميم الحكم المذكور في الدليل إلى الموضوع غير المذكور فيه قد يكون بسبب الاهتمام المذكور، كما أنّ الفهم الضيّق والمخالف لإطلاق أو عموم المصطلحات في الدليل هو أثر لهذا الالتفات والتنبّه.
إنّ أثر هذا الالتفات والتنبّه لمقاصد الشريعة لا يظهر في فهم المصطلحات ولسان الدليل أو يمنع من انعقاد الاطلاق أو العموم فيه فقط، بل قد يضيّق الفسحة على الدليل، ويجعل صدوره عن الشارع محلّ شكٍّ وترديد.
وعلى حدّ ما ذكرنا سابقاً يكون ذلك معياراً في الحجّية التي يمكن الحكم على أساسها، فإمّا يُردّ الدليل أو يكون مردّداً(30).
ثمّ على الفقيه في هذا المنهج ـ بعد جعل الأدلّة المبيّنة لحكم المقاصد والشريعة محوراً عامّاً ـ أن يأخذ بنظر الاعتبار أيضاً العدالة، الحرّية، التزكية، التقوى، تقرّب الانسان إلى الله، ثمّ النظر إلى ما تقتضيه الفطرة، عقل الانسان، ظروف الزمان والمكان، وسهولة الشريعة، ومن ثمّ يقوم باستنباط الأحكام.
وفي هذا المنهج الفقهي على الرغم من الاهتمام بالمقاصد الكلّية للشريعة في عمليّة الاجتهاد، لا يمكن الغفلة عن الأدلّة المبيّنة للشريعة والحكم بصفته محوراً للاجتهاد، فيكون المنهج في الاجتهاد كالمنهج الأوّل الذي يتعامل مع المسألة الفقهيّة عن طريق الأدلّة الشرعيّة (الكتاب العزيز والسنّة الشريفة والاجماع).
ومع وجود دليلٍ معتبر على الحكم وعدم وجود ما يخالف المقاصد المعروفة للشارع المقدّس لا يمكن رفع اليد عن مقتضى ذلك الدليل أبداً، وتكون الأدلّة والمدارك الشرعيّة في هذا المنهج الفقهي ـ المطابق مع عرف الاجتهاد ـ هي التي تعيّن مصاديق المقاصد.
ومن هنا لو وجد نصٌّ من القرآن أو الإجماع والحديث المعتبر يدلّ على الحكم، فإنّه لا يمكن استنباط حكمٍ باسم مقاصد الشرع أبداً، وحيث تقصر يد الفقيه في استنباط الحكم عن النصوص المبيّنة للحكم، فيتمسّك بالاُصول العمليّة.
ولا يخفى أنّ هذا الفرض قلّما يحدث؛ لأنّ مفروض الكلام هو الحديث عن الشبهات الحكميّة لا الشبهات الموضوعيّة(31)، والمراد من النصوص المبيّنة للحكم هي النصوص الشاملة لبيان الخاص والعام، كما أنّ ادراك العقل يقع في عداد هذه النصوص(32).
ثمّ إنّنا قد لا نجد أو قلّما نجد مورداً فيه نصّ خاص أو عام، وكذا لا نجد أيّ ادراكٍ معتبرٍ للعقل يسمح بالتمسّك بالاُصول العمليّة.
وعلى هذا الأساس لا بدّ من القول: ليتنا قبل الأخذ بالاُصول العمليّة في الشبهات الحكميّة ـ التي لا يخالف أحد من الأخذ بها في حال وجود سبب صحيح لذلك ـ كنّا قد التفتنا إلى ما خفي في النصوص وما يريده الأئمّة المعصومون: منّا، وما يدركه العقل.
ولا يخفى أنّ للأخذ بالاُصول العمليّة في الشبهات غير الحكميّة مجال واسع، كما أنّ اهتمام الفقيه بالعقل والنصوص المبيّنة للمقاصد في استنباط الأحكام ـ خصوصاً في الاُمور غير التعبديّة وشبه التعبديّة ـ لا ينحصر تأثيره في خصوص ما ذكرنا فقط، بل قد يكون على حدّ الاحتمال أمراً وجيهاً وحريّاً بالبحث من خلال بيان الاُمور التالية(33):
الأمر الأوّل: أنّ الاهتمام بالمقاصد يوجب تقوية الخبر الضعيف والشهرة وإمكان الاستفادة منهما في الفقه.
الأمر الثاني: أنّ العمل على خلاف الأهداف والأغراض القطعيّة للشارع يوجب سلب اعتبار الدليل، وإن كان الدليل معتبراً من دون فرض هذه المخالفة.
الأمر الثالث: أنّ الموافقة مع أهداف الشارع تعدّ من ملاكات ترجيح دليلٍ على آخر حال التعارض.
الأمر الرابع: تعتبر مخالفة المقاصد من ملاكات مرجوحيّة أحد الدليلين على الدليل الآخر حال التعارض.
الأمر الخامس: إنّما يكون عموم الاطلاق وكلّ ظهورٍ آخر للدليل معتبراً ـ أو محقّقاً ويعدّ دليلاً ـ إذا لم يخالف مقاصد الشارع.
الأمر السادس: تعتبر النصوص المعتبرة الواردة مع ذكر المقاصد قرينةً على عدم صدورها لغرض بيان حكمٍ دائم، وأنّها صادرة لغرضٍ جدّي.
الأمر السابع: يمكن الاستفادة من النصوص المبيّنة للمقاصد في اصدار حكمٍ حكومي، لا استنباط حكمٍ الهي كدليلٍ ومدرك.
ثمّ إنّ من الواضح أنّ جميع ما ذكرنا من هذه الاُمور ممّا لا يمكن تصوره في بيان علاقة النصوص المبيّنة للمقاصد مع الاستنباط والنصوص المبيّنة للأحكام، بل بالتأمّل وكثير من التتبع يمكن العثور على آثار اُخر للمقاصد ونماذج في الفقه(34).
ثمّ إنّ بعض هذه الاُمور المذكورة مبنيّة على فرضيّات خاصّة لا بدّ من اثباتها في محلّها، فمثلاً إذا اعتبرنا موافقة الدليل المعارض لمقاصد الشريعة مقياساً لترجيح الرؤية المتوقّفة على أنّ ما في اُصول الفقه بالنسبة لمقاييس الترجيح هو أثر انفتاحي وليس أمراً تعبديّاً ومحدوداً.
ومن الواضح أنّ الحديث عن علاقة المقاصد ونصوصها مع الاستنباط والنصوص المبيّنة للأحكام بحاجة إلى مجال واسع، نأمل بحث هذه المسألة الهامة في تحقيق مستقل.
وممّا ذكرنا نرى أنّ هدفنا ـ وهو بيان المدرسة الفقهيّة (محوريّة النص بالنظر إلى المقاصد) ـ قد تحقّق في الحال الحاضر، وسوف تزول بعض الشبهات المحتملة خلال البحث الآتي الذي خصّصناه لتقييم هذه المدارس والتوجّهات الفقهيّة الثلاثة.
ثالثاً: تقييم المناهج الفقهيّة الثلاثة
نتابع دراسة وتقييم المناهج الفقهيّة الثلاثة من خلال البحث في المحاور الثلاثة التالية:
المحور الأوّل: تقييم فقه الاكتفاء بالنص
تقدّمت الإشارة في بيان هذا المنهج إلى نقاط القوّة والضعف فيه، وستأتي الإشارة لدى بيان ضرورة المنهج الثالث إلى نقاط ضعفٍ أُخر تعتبر من اللوازم التي لا تنفك عن هذه الحركة الفقهيّة، لكن مع كلّ ذلك نقول عجالةً في هذا البيان المختصر:
إنّ ما يرد على هذه الحركة الفقهيّة من ملاحظات ومناقشات بعضها لازمٌ لا ينفك عنها، فيما ثبت الإشكال على بعض من تمسّك بهذا المنهج الفقهي وإن كان ذلك أمرٌ لازم لا ينفكّ عنه.
ثمّ لو أنّ فقيهاً اكتفى بالأدلّة المبيّنة للأحكام بدون أخذ مقاصد الشارع العالية في تشريع القوانين والمقرّرات بنظر الاعتبار، بل حتى لو سار باتجاهٍ يخالف تلك المقاصد وتوصّل إلى أيّ رأيٍ، ثمّ أفتى على أساس هذا المنهج الفقهي لكان ذلك صحيحاً، وهذا اللازم من اللوازم التي لا تنفك عن هذا المنهج الفقهي.
إنّ الأخذ بإطلاق أو عموم دليلٍ من الأدلّة المبيّنة للأحكام ـ وإن كان الالتفات إلى مقاصد الشارع، يوجب عدم إطلاق أو عموم ذلك النص ـ وعدم الالتفات إلى النتيجة والتحقّق الخارجي للفتوى ـ كعدم الالتفات إلى الآثار الخارجيّة لجواز التورية بمعناها المشهور ـ يعتبر من لوازم هذا المنهج الفقهي؛ لأنّ الفقيه ـ حسب الفرض ـ يرى كلّ ما يعلم أنّه دخيل في عمليّة الاستنباط، يقتصر على الأدلّة المبيّنة للشريعة، وتلك الأدلّة ـ مع غض النظر عن المقاصد العالية ـ تقتضي ذلك.
ولهذا السبب ـ واعتماداً على هذا المنهج الفقهي ـ حُكي عن الشهيد الأوّل أنّه حكم بحرمة بيع السلاح إلى الكفّار مطلقاً؛ لعدم جواز تقويتهم على المسلمين.
واعترض عليه الشيخ الأنصاري، حيث إنّه يرى ذلك شبه الاجتهاد في مقابل النص، فإنّ مقتضى منهج الاكتفاء بالنص ـ الذي سلكه الشيخ الأنصاري في هذه المسألة ـ ضرورة الحكم بجواز بيع السلاح إلى الكفّار في حال الصلح، وعدم جواز بيعه في حال الحرب(35) مهما كانت عواقب ذلك.
والغريب أنّ الشيخ الأنصاري ـ وكذا من تبعه ـ صرّح أيضاً بأنّ عدم الجواز بمقتضى النصوص ـ عدا خبر تحف العقول ـ حكمٌ تكليفي صرف، وإلّا فالمعاملة صحيحة، فلو بيع السلاح لأعداء الدين، وجب تسليمه وإن كانوا في حالة حرب مع المسلمين(36).
إنّ ما تقدّم هو إشارة إلى الآثار والعوارض الملازمة للمنهج الفقهي (الاكتفاء بالنص)، لكن يظهر من فتاوى بعض أتباع هذا المنهج الفقهي أنّه لا يمكن عدّ ذلك أمراً لازماً في هذا المنهج، نظیر ما فهمه الأحناف من حديث «الخراج بالضمان».
لقد اكتفى هؤلاء بهذه الجملة (الخراج بالضمان) ـ مع حذف القرائن الموجودة في الرواية ـ وفهموا منها أنّ منافع البضاعة هي لضامن تلك البضاعة ـ سواء كان ذلك الشخص مالكاً للبضاعة أم لا، هذا في حال أنّ هذه الرواية وردت في مناسبة كان الشخص فيها مالكاً للبضاعة وضامناً لثمن المثل أو ثمن المسمّى، وهذا نظیر من اشترى بضاعةً وضمن ثمنها.
إنّ المشتري في هذا الوقت كان ينتفع بالمبيع، لكنّه بسبب ما له من حق الفسخ قام بفسخ المعاملة، وعندما سئل رسول الله9 عن المشتري هل يكون ضامناً للمنافع المستوفاة؟ فقال: «الخراج بالضمان»(37).
وحيث إنّ المشتري ضامن لدفع الثمن، فلا ضمان عليه إزاء استيفاء المنافع، وهذا المضمون (الخراج بالضمان) يطابق قاعدة اقتضاء إدراك العقل وبناء العقلاء، وينسجم مع أهداف الشارع والعدالة.
وعليه، فما فهمه الأحناف ـ حتى بناءً على المسلك الفقهي (الاكتفاء بالنص) ـ غير تام، وهذه غفلة واضحة وظاهرة لهذه الجماعة.
ثمّ إنّا لو غضضنا الطرف عن الاهتمام والأخذ بالنصوص المبيّنة للمقاصد في هذا المنهج الفقهي، لكانت الغفلة غير الموجّهة لجميع أتباع هذا المنهج الفقهي من مقتضيات ادراك العقل القطعي في المجالات التي يلزم تواجد العقل فيها، ولا ريب أنّ تواجد العقل في المجالات التي لا علاقة لها بالعقل إن لم يكن صحيحاً ويعدّ خطراً على الاجتهاد، كذلك منع تواجد العقل في المجالات التي يكون تواجده فيها ضروريّاً لا يكون صحيحاً ويعدّ نقصاً مهمّاً(38).
قد يجد الباحث هذه الغفلة بسهولة في فتاوى هذه الجماعة كما مرّ في مثال بيع السلاح لأعداء الدين، فهل يمكن قبول اعتبار الشارع بيع السلاح لأعداء الدين ـ وإن أدّى ذلك إلى تقويتهم على المسلمين ـ جرماً، ومع ذلك يعتبره صحيحاً، بل يرى اعطاء السلاح اليهم واجباً؟ ثمّ ننسب عدم الصحة إلى رواية تحف العقول الفاقدة لسند معتبر، بل روايتها أمرٌ مشكوك(39)؟
وهل هذه المسألة ليست من ممّا يدركه العقل؟ أو هناك ملاكات حُرِم جميع عقلاء العالم عن ادراكها؟
لقد أثبتنا في هذا البحث أنّ المنهج الفقهي المذكور عن أصحاب هذا المنهج (الاكتفاء بالسند) مرفوض، وإلّا لو اعتبرنا العقل أيضاً من أدلّة الاستنباط، وأنّه محكوم بحكم النص، فلا بدّ من القول بأنّ هذا المنهج الفقهي يكتفي ببعض النصوص، فلا يكون الاكتفاء بالنص بالمعنى المطلق. وسوف نتعرّض في تقييم المنهج الثالث لبعض الوجوه التي يسلّم بها هؤلاء في الاكتفاء بالنص، مع نقدها والاشكال عليها.
المحور الثاني: تقييم المنهج الفقهي (الاكتفاء بالمقاصد)
تقدّمت الإشارة إلى بيان بعض الإشكالات الواردة على هذا المنهج الفقهي، وذكرنا تفصيل ذلك في كتابنا (فقه ومصلحت)(40)، ونحاول هنا ذكر ما يمكن الإشكال به على هذه الفكرة (الاكتفاء بالمقاصد) ضمن النقاط التالية:
أوّلاً: على الرغم من التتبع الواسع في تصانيف وآثار هذه الجماعة، لم نعثر على دليلٍ لإثبات هذه الفكرة، في حين أنّ ما ذُكر فيها هو عبارة عن خيارٍ واحدٍ من عدّة خيارات محتملة في المسألة يمكن ذكرها.
ثانياً: لم يبيّن أصحاب هذا المنهج أيّ بيان واضح بهذا الصدد، وحاصل ما تتبعناه في تصانيف هذه الجماعة ليس إلّا هو أنّ الدين له جوهر، ذات، وروح، وأنّ للمقنّن مقاصد يسعى لتحقيقها، وأنّ طريق وآليّة الوصول إلى تلك المقاصد ـ التي يعبَّر عنها بالشريعة ـ هي من صلب الدين، وأنّها تتأثّر بالزمان والمكان، وهي قابلةٌ للتغيير وتابعة للمصالح والمفاسد، وأنّها تنحصر في القابليات والحقائق والإمكانات، والاجتهاد هو عمليّة ينظر الفقيه من خلالها إلى الحقائق والظروف الحاكمة من دون أن يكون للأدلّة والنصوص الشرعيّة دورٌ أو حتى تكون مأخوذةً بنظر الاعتبار؛ لتأثّر هذه النصوص بظروف خاصّة قد لا توجد في زماننا الحاضر.
إنّ أصحاب هذه الفكرة لا يرون أيّ ضرورة وحاجة إلى التعريف بمقاصد الشريعة، بل حاصل ما ذكروه عبارة عن كلامٍ معروف للغزالي في بيان المقاصد الخمسة، ولا بدّ من التساؤل هنا: ماهي الآليّة التي تُعرف من خلالها هذه المقاصد؟
إنّ الإعراض عن المئات من النصوص القرآنيّة وآلاف الروايات النبويّة والعلويّة المعتبرة والمبيّنة للأحكام والشريعة الإلهيّة، وطرح اُمور مهيّجة وجنونيّة في السلوك التوحيدي مثل: (حضور)، (حرّية)(41)، كيف يمكنها ترتيب عمليّة الاجتهاد والوصول به إلى هدفه المنشود الذي هو استنباط الأحكام الشرعيّة(42)؟ خصوصاً لو قيل ـ بل قالوا ذلك ـ: إنّ مسؤوليّة قبول أو ردّ الأحكام المستنبطة من قِبل الفقيه هي في عهدة المكلّف والشخص المسلم، وأنّ حجيّة الفتوى مشروطةٌ بحصول اطمئنان المقلِّد بحكم الله تعالى، ولو لم يحصل للمقلّد يقين بالفتوى لا يكون ملزماً بالعمل بها(43).
إنّ الأخذ بهذا النوع من المفاهيم المبهمة وغير القابلة للتفسير في بيان القوانين والمقرّرات لا ينسجم مع أيّ منطق، فأيّ نظام قانوني، وأيّ نبيّ أخذ بهذه المفاهيم في بيان الأحكام، لكي يكون الشارع الحكيم أخذ بها في الإسلام(44)؟
إنّنا نعتقد أنّ حياة هذا المنهج الفقهي هو الظهور في الميادين العلميّة، ومن الطبيعي أنّ وجود المنهج الفقهي (الاكتفاء بالنص)، وإصرار البعض على عدم الاستفادة والأخذ مطلقاً بالنصوص المبيّنة للمقاصد في الاجتهاد، أو عكس ذلك، وكأنّ كلّ ظاهرة غير مستقيمة تبرّر وجود ظاهرة ضدّها، وهذه الأخيرة أيضاً تكون فاقدة لتمام الاعتدال.
المحور الثالث: التقييم الفقهي لمحوريّة النص بالنظر إلى المقاصد
تقدّم الكلام بقدر الحاجة عن آثار وسعة هذا المنهج الفقهي، وإتماماً للفائدة نتطرق إلى بيان ما يتعلّق به من مطالب فيما يلي:
المطلب الأوّل: إنّ فقه محوريّة النص بالنظر إلى المقاصد يضعنا في مقابل منهجي الاكتفاء بالنص والاكتفاء بالمقاصد، فقد استعرضنا منهجين فقهيّين، والآن نواصل البحث عن منهجٍ وسط، لكن هذا المنهج في حدّ نفسه قد يكون متعدّداً أو ذو مراتب، وإلّا فمن الممكن الإشارة ـ إلى جانب هذا المنهج أيضاً ـ إلى مناهج أُخر هي أقرب إلى هذا المنهج الفقهي القويم، لكنّها ليست عينه، نظير منهج الاكتفاء بالنص مع الميل إلى الأخذ بالمقاصد.
ففي المنهج الفقهي (الاكتفاء بالنص) لا يعتمد الفقيه على النصوص المبيّنة للمقاصد في عمليّة الاستنباط أبداً وإن لم يكن غافلاً عن المقاصد، في حين أنّ الفقيه في المنهج الذي اقترحناه (محوريّة النص...) يضع النصوص المبيّنة للأحكام محوراً في استنباطه، لكنّه في موارد أُخر ـ خصوصاً فيما يستنبطه في الفقه السياسي والاجتماعي، وفي الوظائف الحكومية ومسؤولي النظام ـ يستفيد من النصوص المبيّنة للمقاصد في الإفتاء.
وفي الحقيقة ما هو نصٌّ مقاصدي في هذه المساحة يعدّ من الإفتاء بالنص المبيّن للحكم، فالتعبير في قوله تعالى ـ مثلاً ـ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(45) لا يعتبر في الفقه الذي دُوّن للقضاة نصّاً مقاصديّاً صرفاً، بل يعتبر من النصوص المبيّنة للحكم، كما أنّ قوله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾(46) قد لا يعكس في النظر الأولي وبشكل عام بأنّه أمرٌ صادر، لكنّه بالنسبة لمن يُخطّط لنظامٍ اقتصادي في المجتمع يعدّ ذلك مصدراً لبعض التكاليف، من قبيل ضرورة تقارب الطبقات الاجتماعيّة للناس مع بعضها الآخر، ورفع الاختلاف الطبقي الفاحش في المجتمع.
المطلب الثاني: وفي بيان وإیضاح المدرسة الفقهيّة مورد البحث لم نعتبر عموم النصوص المبيّنة للمقاصد صالحة للاستناد؛ لكونها هادية إلى اُمور كلّية وقابلة للتفسير بشكلٍ مختلف، وإن سلّمنا في الجملة في النقطة السابقة هذه الصلاحيّة، وهذا الإنكار هو باعتبار العموم وتحذير من التعامل مع النصوص المبيّنة للمقاصد معاملة النصوص المبيّنة للأحكام، وأن لا يكون مساوياً لذلك المحور في الاستنباط، فلا يكون فرق بين هذين المسلكين.
ومع تسليم ما ذكرنا في الفقرة أولاً بالنسبة إلى النصوص المقاصديّة لا بدّ من القول: إنّ النصوص المقاصديّة ـ مضافاً إلى الآثار التي أشرنا إليها سابقاً ـ قد يكون لها آثار اُخر أيضاً ـ بل لا بدّ من ذلك ـ من قبیل تأسيس القاعدة الفقهیّة (النصوص المبيّنة للمقاصد)(47)، وتأسيس قاعدة العدالة(48)، أو قاعدة المصلحة(49)، فإنّها قد تكون من هذا القبيل.
المطلب الثالث: إنّ قراءة المناهج الثلاثة ـ في المقام ـ لا تترك شكّاً في تفوّق المنهج الثالث مقارنةً بالمنهجين الأولين، من هنا قد يتساءل البعض فيقول: لماذا نظّم الكثير من الفقهاء سلوكهم الفقهي على أساس المنهج الفقهي (الاكتفاء بالنص)، ولم يأخذوا ـ كما ينبغي ـ بالمنهج الثالث؟
في الإجابة عن هذا التساؤل لا بدّ من القول:
أولاً: قد لا نجد فقيهاً لم يستفد أبداً من النصوص المبيّنة للمقاصد في عمليّة استنباط الأحكام، وإن كان ذلك يرتبط بالتقسيم الواسع للمناهج الفقهيّة التي يأخذ الفقهاء فيها بمنهج الاكتفاء بالنص.
نعم، هناك ما لا يحصى من الفقهاء ليسوا ـ حسب التقسيم الثلاثي للمناهج الفقهيّة المبحوث عنها في المقام بالنحو الذي بيّناه ـ ضمن قائمة الفريق (أو المنهج) الثالث، ولا بدّ من عدّهم ضمن قائمة الفريق (أو المنهج) الأوّل؛ لعدم أخذهم بالنصوص المقاصديّة في عمليّة استنباط الأحكام، لكن فقههم لا يخلو عن الأخذ بالنصوص المبیّنة للمقاصد.
ثانیاً: لعدم أخذ بعض الفقهاء بالنصوص المبيّنة للمقاصد عدّة أسباب نذكر في المقام أهمّها:
السبب الأوّل: إنكار البعض من هذه الجماعة وجود كلّ مقصد أو هدف في الأفعال الإلهيّة، فالأشاعرة ومن هم على شاكلتهم ـ بناءً على عقيدتهم غير الموجّهة المبنيّة على منافاة وجود هدف للأفعال الإلهيّة بما في ذلك التشريع مع التوحيد، وعدم كون الله تعالى ملزماً بالجواب عن أفعاله وتبريرها لأحد(50) ـ أنكروا مقاصد الشريعة، إلى حدٍّ اعتبر بعض هؤلاء وصف الله تعالى بأنّه حكيم اسم علم؛ لئلّا يضعوا حدوداً لأفعال الله التي تقتضي وصف الحكمة(51).
ولا نعلم كيف يوجّه هؤلاء العشرات من النصوص القرآنيّة التي بيّنت أهدافاً لبعث الرسل وإنزال الكتب وتشريع الأحكام؟
ولا يخفى أنّ باب التوجيه مفتوح لو لم نلتزم بالضوابط والاُصول.
ويكفي أنّهم يقولون ـ خلافاً لظهور هذه النصوص ـ إنّ هذه النصوص تبيّن الفوائد المترتّبة على الصنع الإلهي وليست بصدد بيان الأهداف والغرض من ذلك.
ومن الملفت أنّ هذه الجماعة على الرغم من هذه العقيدة تعتقد بالقياس في الفقه أيضاً، وهاتان عقيدتان غير متكافئتين، كلّ واحدة منهما تنفي الاُخرى على الرغم من محاولة البعض حلّ عدم التكافؤ هذا(52)، لكنّ هذه المحاولة ولدت في رأينا ناقصة الخلقة وبقيت عقيمة(53).
السبب الثاني: عدم الضرورة، بل عدم الجواز وعدم الصحّة، بل أكثر من ذلك: وجود الضرر من قِبل جمع من المخالفين في الاستفادة من النصوص المقاصديّة في استنباط الأحكام.
إنّ هؤلاء وإن لم ينكروا ـ كالأشاعرة ـ المقاصد وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد السبقة قبل تعلّق الحكم.
لكنّهم يعتقدون أنّ الفقيه باكتفائه بالنصوص المبيّنة للأحكام قد يصل في موارد إلى واقع الشريعة، فإن لم يصل فهو معذورٌ في ذلك؛ لذا لا ينبغي الاستفادة من أمرٍ أجنبي عن عمليّة الاستنباط، أو أمرٍ قد يضرّ بنظمه، والنصوص المبيّنة للمقاصد من الاُمور الأجنبيّة.
وصرّح بعضهم بأنّ العمل بالنصوص المبيّنة للمقاصد في التراث الفقهي هو لفقهاء العامة، وأنّ على الإماميّة الاجتناب عنه، ولو كان هذا السلوك ضروريّاً لأوصى به أئمّة أهل البيت:.
وقد واجهنا بعض فضلاء هذه الجماعة ممّن يعتقد أنّ الفقه المستفاد من المقاصد يأتي من الأخذ بالعقل وقاعدة الملازمة في الاستنباط، فيكون الانحراف حينئذٍ عن الاستنباط صحيحاً.
ونلفت النظر إلى النص التالي الذي أكّد على مسألة العدالة والعقل:
المرتكز في أذهان الكثير من الناس أنّ على الشارع أن يأخذ العدالة بنظر الاعتبار، وقد وقعت هذه المسألة ـ للأسف في عدّة عقود إلى حدٍّ ما ـ كأصلٍ مسلّم في المراكز العلميّة الحوزويّة والجامعيّة، حتى إنّهم استدلّوا له أحياناً بقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾(54)، فعلى الشارع أن يلحظ العدالة ويأخذها بنظر الاعتبار في التشريع بطريق أولى.
وبقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾(55)، ولمّا لم يكن الله ظالماً، فعليه أن يراعي العدالة. وبقوله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يأمرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾(56)، فعلى الشارع أن يراعي العدالة في التشريع أيضاً.
وهذا المطلب غير تامٍ في رأينا ولا بدّ من التأمّل هنا، فنحن نسلّم بأنّ الأحكام تابعة للملاكات، ولا أحد يشكّ في ذلك؛ إذ مسلكنا ليس أشعريّاً، لكن ما الدليل على أنّ الملاك لا بدّ أن ينحصر في العدالة، أو أنّ العدالة قد اُخذت بنظر الاعتبار في جعل الأحكام أيضاً؟
لم يرد البحث عن الملاكات ـ للأسف ـ في علم الاُصول بشكلٍ مستقل، لكنّه ورد البحث عنه في مواضع متفرّقة منه حيث فُسّر تفسيراً جيّداً، ولا بدّ من ردّ الرأي القائل في الاُصول بأنّ كلّ ملاك يدركه العقل لا بدّ للشرع من إدراكه أيضاً؛ أو: (کلّ ما حکم به العقل حکم به الشرع)؛ وذلك أنّ قدرة العقل محدودة، فالعقل قد يدرك الملاك إلى حدٍّ ما، لكنّه لا يدرك الموانع؛ لعدم احاطته بجميع الجهات؛ لذا عبّر الفقهاء عن ذلك بقولهم: «انسداد باب العلم إلى ملاكات الأحكام».
قال المحقّق الخوئي في المقام: «... لعدم السبيل إلى ملاكات الأحكام الشرعية»(57).
وقال السيّد الشاهرودي في کتاب الحج: «... لقصور عقولنا عن درك ملاكات الأحكام وموانعها»(58).
ويعتقد صاحب النص المذکور أنه يمكن الإشارة ـ إلى ملاكات أُخر ـ غیر العدالة، من قبیل: (حفظ الاُسرة)، (التسهیل)، و(الاختیار). وتماشياً مع هذه الفكرة، وارتباطاً بمبدأ «العدل والانصاف»، يرى أنّ «قاعدة العدل والإنصاف هي أساساً قاعدة بحثها أهل السنّة، وهي غير مقبولة في فقهنا، وهذه القاعدة ذكرها أهل السنّة في مقابل قاعدة القرعة لكي يحذفوها ولا يعملوا بها، وليس لذلك أيّ مبنىً فقهي».
إنّ ما بيّناه هو اعتقاد طيف واسع من الفضلاء والباحثين في الحوزات العلميّة في عصرنا الحاضر وفي مجال الفقاهة، والذين كانت لنا معهم علاقات ولا زالت.
وأمّا الحديث والبحث في كيفيّة سدّ الطريق على الاستفادة من النصوص المبيّنة للمقاصد والعقل في استنباط الأحكام، وفتح الطريق أمام الاكتفاء بالنصوص اللفظيّة للأحكام، فهذا ليس بحاجة إلى بيانٍ وتوضيح؛ وذلك عندما تكون العدالة هي القدر المتيقّن من تبيين مقاصد الشريعة، وليست ملاكاً حصريّاً فقط، بل لا دليل على أن تكون حتى ملاكاً من الملاكات. وبعد أن زال أساس الاستفادة من العقل في عمليّة الاستنباط الذي هو قاعدة الملازمة، ورُدّ في الاُصول حيث لم يُعمل به، فما هو محلّ الاستفادة من الأصلين: المقاصد والعقل بعدُ في عمليّة الاستنباط؟
ولا يخفى أنّنا قد أجبنا ما به الكفاية على كلّ ما ذُكر من أقوال بهذا الصدد في تصانيفنا الثلاثة(59)، حيث قلنا إنّ منكري قاعة الملازمة قد أخذوا في موارد عديدة من هذا القانون، خصوصاً في الاستنباط الثاني(60)، والتصوّر الصحيح لقاعدة الملازمة يصدّق ذلك، فإن كان هناك كلامٌ فهو في التصوّر الصحيح لهذه القاعدة.
ثمّ إنّه لم يردّ هذه القاعدة عدا نفر من الاُصوليين، وقد تقدّم في الرواية عن الإمام الصادق7 أنّه قال في ردّه على فتوى أبي حنيفة وتخطئته: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركاتها»، وهل هذا إلّا الأخذ بالمقاصد وأصل العدالة؟
ولا نعلم بالدقة على أساس أيّ دليلٍ تاريخي جعل أهل السنّة قاعدة العدل والإنصاف في مقابل قاعدة القرعة، لكي يمحوها ويزيلوها؟ على الرغم من أنّ بعض الآيات والروايات المرتبطة بالقرعة والعمل بها، هو ممّا يرتبط بكلا المذهبين(61).
وأمّا دعوى ردّ قاعدة العدل والإنصاف في فقهنا فغير تامٍ أيضاً، فإنّ في قبول هذه القاعدة في فقهنا خلاف، فهناك من ذهب إلى القبول مطلقاً(62)، ومن ذهب إلى الردّ مطلقاً(63)، فيما رجّح البعض القبول تارةً، والردّ اُخرى(64).
ونحن نعتقد أيضاً أنّ قاعدة العدل والإنصاف ممّا لا ينكر؛ كما أنّ جعلها قسيماً في مقابل قاعدة القرعة غير تامٍ أيضاً، بل تعتبر قاعدة القرعة أحد تعیّنات وشواخص قاعدة العدل والإنصاف، بمعنى أنّ قاعدة العدل والإنصاف هي غیر قاعدة المساهمة أو المناصفة(65)، وقد أثبتنا كلّ هذه الدعاوى في محلّه(66).
ثمّ إنّه لا ينبغي الظن ـ كما ظنّ البعض ذلك ـ بأنّ القول بلزوم الاهتمام بالنصوص المبيّنة للمقاصد هو تراث ناشئ عن المذهب الكذائي أو عن الشخص الفلاني؛ لذا لا بدّ من الإجابة عن الأسئلة التالية:
هل يمكن انكار أن يكون للشارع المقدّس مقاصد عالية بيّنها في قالب النصوص؟
هل الآيات المبيّنة للمقاصد هي قسمٌ من النصوص الدينيّة؟
هل يمكن إنكار استعمال الشارع برامجه في سبيل تأمين وحفظ أهدافه العالية، فلا يكون الأمر بأن تحفظ البرامج هدفاً معيّناً، فيما تكون المقاصد أمراً آخر؟
ألا يمكن تفسير النصوص المبیّنة للأحکام بالنظر إلى المقاصد وأخذها بنظر الاعتبار، ليتمّ هذا التناسب والانسجام، ولكي لا يكون الاستنباط رأياً يخالف المقاصد وروح الشريعة وروح الكتاب والسنّة؟
ثمّ إنّ الرواية التي يظهر منها مثل هذا الاستنباط هو القدر المتيقّن من الروايات التي اُمر الفقيه بطرحها(67).
ثمّ إنّه كما قد لا تكون النصوص مرئيّةً بشكلٍ كامل في المنهج الفقهي (الاكتفاء بالنص)، كذلك في المنهج الفقهي الثالث قد لا تكون المقاصد مرئيّةً بشكلٍ كامل، وكذا في النظام الشرعي، والحال لا بدّ من وضع المقاصد ضمن جدولٍ قد خطّط له الشارع، وإلّا تأتي دوّامة الاكتفاء بالمقاصد وتُغرق معها المتصدّي لعمليّة الاستنباط، مثلاً فيما يرتبط بأحكام النساء عندما تكون عمليّة الاستنباط لا ينبغي أن يكون النظر إلى محض اختلاف دية المرأة والرجل، ففي بعض المراحل قد يكون ذلك ارثهم، ولا يكون النظر إلى أيّ شيءٍ آخر، ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الدية ليست هي قيمة الانسان؛ لذا لا يلتفت إلى الاختلاف فيها بين الناس، فدية نبي الله تساوي دية مسلمٍ بلا أيّ خصوصيّة، وليس الإرث حق أحد(68)؛ لذا فالاختلاف في الإرث لا يعني الاختلاف في الحقوق.
والذي يُبحث هنا هو الحكمة التي تُعيّن الاختلاف وعدم الاختلاف، وعلى هذا الأساس لا بدّ من النظر إلى هذا الاختلاف إلى جانب الاختلاف في المسؤوليّة الماليّة بين المرأة والرجل، وعندما نضع الأخير إلى جانب ذلك الاختلاف(69) سوف يُعلم أنّ الذي وقع كان بشكلٍ عادل وموافق لمقاصد الشارع العالية.
وعلى كلّ حال، الاستنباط الصحيح والقويم والجامع هو الذي تجتمع فيه جميع العناصر الدخيلة في الاستنباط، من خلال نظام هرمي مكوّن من النصوص المبيّنة للأحكام والمقاصد.
المطلب الرابع: إنّ القائلين بلزوم الاكتفاء بالنص في عمليّة الاستنباط على الرغم من رفضهم الأخذ بالنصوص المبيّنة، حاولوا الاستفادة ممّا ورد في النصوص الدينيّة التي عُلّلت فيها الأحكام وذُكرت الحكمة منها، فإن حصل لهم ظنّ أنّها حكمة قد ذُكرت في الحكم التزموا بمقتضاها.
من هنا، عدّوا الحكم المذكور إلى الموارد المشابهة تحت عنوان: (قياس منصوص العلّة)، وبالطبع لا إشكال من هذه الجهة على منهجهم، وإن اختلف منهج هذه الجماعة في فهم النص مع غيرهم من الجماعات الاُخر، وذلك نظير الاختلاف في التعامل مع العلل والحِكَم المذكورة في الأدلّة، وإن كان المشهور القريب من الاتفاق منهم لا يرى أنّ الحكمة مؤثّرة في سعة أو ضيق الحكم، وإن كان لهم بيان في ذكر أصل الحكمة مع ذكر العلّة بلحاظ زمان الشك(70)، ولهم خلافٌ أيضاً في بيان ملاك تشخیص العلّة من غيرها(71).
رابعاً: شبه المقاصد والاستنباط
يوجد في الإطار الديني بعض الاُصول والوقائع ما قد يشبه المقاصد العالية للشارع، لكنّها ليست من جنس المقاصد، فقد وردت مثلاً تعابير مختلفة في وحدة المسلمين وعدم اختلافهم مثل الاُخوّة الإسلاميّة والدينيّة، الوحدة الإسلاميّة، تقریب المذاهب، اتحاد المسلمين، وتدلّ بعض النصوص الدينيّة ـ طبعاً في قراءة معقولة ـ عليها، فهي ليست حكماً وقانوناً شرعيّاً وليست من المقاصد، بل هي ظاهرة يحتاج إليها المجتمع الإسلامي، بحيث لولاها لتضرّر المجتمع.
نعم، ما يمكن أن يكون حكماً وقاعدة هو السعي لإيجاد الوحدة التي لو نُفّذت بشكلها المعقول لكان من الممكن أن تسير إلى حدّ الوجوب، أو يكون الإخلال بها بحكم الحرمة، لكن كلامنا هنا في نفس هذه الظاهرة التي هي ليست مورداً للحكم الشرعي، كما أنّها ليست من المقاصد؛ فإنّ من المعقول جدّاً أن يأتي دين يكون الغرض منه والمقصد الرئيس له ايجاد الوحدة بين الناس، أمّا أن يأتي دين يريد الوحدة بين أتباعه ـ في محور ذلك الدين ـ ويقول للناس: لا تجعلوا هذا الدين سبباً في اختلافكم، فإنّ هذا لا يمكن أن يكون من مقاصد ذلك الدين، فإنّ مقاصد الدين يجب أن تكون ظواهر قبل الدين لا أن تجد لنفسها موضوعاً مع الدين، فتأمّل.
وعلى كلّ حال، فإنّ ظواهر مثل الوحدة الإسلاميّة، وعدم الاختلاف بين المسلمين مع بعضهم هي من الاُصول المهمّة التي لحظها الشارع وأخذها بنظر الاعتبار، فهذه الظواهر تعتبر أساس المجتمع الإسلامي؛ ولذا عبّرنا عنها بشبه المقاصد، والمراد من طرح هذا العنوان في المقام الذي يتحدّث عن دور النصوص المبيّنة للمقاصد في الاستنباط، هو هل هذه الظواهر لها أثر ـ كما للمقاصد والنصوص المقاصديّة من أثر ـ في الاجتهاد أم لا؟
وهل لا بدّ للفقيه في فتاواه أن يكون ناظراً إلى هذا النوع من الظواهر؟ فإن كان الجواب بالايجاب، فكيف لهذا الأمر أن يقع؟
ثمّ إنّه هل يمكن الاستناد إلى مثل عنصر الاُخوّة الإسلاميّة، اتحاد المسلمين، والنصوص المبيّنة لذلك، وإصدار فتوى ـ كحكمٍ أوّلي لا حكماً حكومتيّاً أو حكماً عرضيّاً ثانويّاً ـ بحرمة غيبة كلّ مسلم، أو عدم اشتراط كون الذابح إماميّاً في الاضحية؟
أو الفتوى بضرورة الالتزام واتباع الأحكام الصادرة عن القضاة من غير الإماميّة في أوقات خاصّة، وإن لم تكن التقية أمراً معهوداً ومعروفاً في البين؟
أو لا بدّ في إصدار الفتوى بهذه الاُمور من لحاظ النصوص الشرعيّة المعتبرة على أساس ما لها من اعتبار عند الإماميّة، فيكون الالتفات إلى غيرها التفاتاً إلى أمر خارج عن العناصر الدخيلة بحق في عمليّة الاستنباط؟
أولاً: معرفة السلوك الفقهي للفقهاء في هذه العلاقة
من الواضح أنّ الطريقة المتعارفة لدى فقهاء الإماميّة في الاستنباط إلى الآن قد استقرّت على عدم الالتفات إلى مثل هذه العناصر(72)، وإن أفتوا في موردٍ بفتوى تنسجم مع ما تقتضيه هذه العناصر، فذلك لوجود دليل معتبر عليها، وقد يكون بسبب ما يقتضيه الحكم الثانوي كالتقيّة، لا ما يقتضيه الحكم الأوّلي.
فمثلاً كان الإمام الخميني من دعاة الوحدة بين المسلمين، وكلامه وسلوكه طوال هذه السنوات خير شاهد على ذلك، لكنّنا لم نرَ أنّه استفاد من هذا العنصر في استنباطه على الرغم من اعتقاده بالتقيّة لغرض المداراة(73)، وقد حكم بالتقيّة أحياناً(74)، لكن قلنا إنّ الاستفادة في الفتوى بمثل أصل التقيّة ـ التي تثبت حكماً عرضيّاً ثانويّاً ـ لا ربط له بالاستناد المذكور بعنوان أنّه من العناصر المؤثّرة في تفسير النصوص المبيّنة للشريعة والمثبتة للحكم العام الأوّلي.
ومن الملفت أنّ في مثل اعتبار الإيمان في الذابح في الحج، لا يرى بعض الفقهاء ـ الذين قلّما تحدّثوا أو خطوا خطوةً في هذا المجال ـ اعتبار الإيمان في الذابح، لكنّ الإمام الخميني وغيره يرى اعتبار ذلك(75).
وقد تكرّرت هذه الظاهرة أيضاً في الحديث عن غيبة المخالف(76)، ومن الواضح أنّ كلا فريقي النفي والإثبات من الفقهاء قد نظر إلى الأدلّة المرتبطة بالمسألة في إثبات الحكم أو نفيه، فتوصّل أحدهما إلى إثبات الحكم، فيما توصّل الآخر إلى نفيه، لكن حُكي عن بعض المعاصرين أنّه استفاد من ذلك في مقام الإعراب عن رأيه في المقام.
قال الشيخ حبّ الله: «يعتقد العلّامة شمس الدين بأنّ مبدأ الوحدة الإسلاميّة والاُخوّة الدينيّة مبدأً أصيلاً في التشريع الإسلامي، ويحسب أدلّته في ضمن ما يسمّيه الأدلّة العليا للتشريع، ويقصد شمس الدين بهذا النوع من الأدلّة أنّ التشريعات القانونيّة الإسلاميّة، وكذلك منهج فهم الشريعة الإسلاميّة، ينطلقان من مبادئ وأُسس لا تقبل التغيير ولا التبديل، وتعبّر عنها نصوصٌ حاسمة ورد الكثير منها في القرآن الكريم.
إنّ هذه المبادئ تمثّل بالنسبة للشيخ شمس الدين الاُسس التي نستطيع من خلالها فهم أهداف الشريعة ومسلّماتها ومقاصدها، وعندما يقوم الفقيه من الانتهاء من مرحلة الاجتهاد في اُصول الشريعة هذه يتجه نحو الفروع التفصيليّة في الفقه الإسلامي، ويعمد إلى ممارسة الاجتهاد وفقاً لما تفرضه أدلّة التشريع العليا، فمثلاً يرى العلّامة شمس الدين أنّ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ يعبّر عن نصٍّ حاسم يقدّم لنا أحد الأدلّة العليا للتشريع، ويجعل مبدأ الاُخوّة الإسلاميّة مبدأً حاكماً في الفقه الإسلامي لا يقبل التخصيص ولا التقييد بهذه البساطة، فإذا جاء الفقيه إلى مفردةٍ تشريعيّة تفصيليّة، مثل جواز غيبة المخالف أو (دخول) بستانه أو نحو ذلك، فإنّ النصّ القرآني أعلاه بشكلٍ دليلاً تشريعيّاً عالياً يُسقط قيمة الأدلّة التفصيليّة المعارضة له؛ لأن المبادئ الأساسيّة لا يمكن التخلّي عنها بهذه البساطة»(77).
وطبقاً لهذا البيان ـ كما تقدّم عن صاحب هذا الرأي(78) ـ يبدأ الاجتهاد من الأدلّة العليا ثمّ يصل إلى نصوص التشريع، وأخيراً يكون مفاد الأدلّة العليا حاكماً على اقتضاءات نصوص التشريع.
وهناك مثال آخر عن الشيخ شمس الدين; فيما يرتبط بدور شبه المقاصد، وهو مسألة المواطنة، وهذه الظاهرة موجودة في جميع الحكومات بما فيها الحكومة الإسلاميّة، والمعيار في التعامل مع الحقوق في ظلّ هذه الظاهرة لمن يعيش تحت راية الحكومة الإسلاميّة متساوية بين الناس في رأيه، فضلاً عن عقائدهم(79).
ثانياً: نقد ودراسة
مع غضّ النظر عن الملاحظات والإشكالات الواردة على ما نقلناه، ففي رأينا كما أنّه في بعض المواضع من الاستنباط لا ينبغي الغفلة عن النصوص المبيّنة للمقاصد، كذلك لا ينبغي الغفلة عمّا هو موجود في مائدة الدين ـ بأيّ اسمٍ سمّيناه ـ ممّا يمكن أن يترك أثراً على الاستنباط.
ولا يخفى أنّه لا بدّ من معرفة حدود هذا التأثير ورتبته في الاستنباط، فمثلاً لا بدّ أن نرى الموارد شبه المقاصدية المؤثّرة في الحكم العرضي الثانوي، ومدى تأثيرها في استنباط الحكم العام الأوّلي الذي هو محلّ نظرنا في هذا البحث.
ثمّ إنّه لا ينبغي لهذا النوع من الأدلّة أن يكون له الكلمة الفصل والأخيرة بحيث يُغفل عن الأدلّة المبيّنة للشريعة، وهذا الإشكال يمكن أن يُسجّل على ما نُسب إلى الشيخ شمس الدين;، فإنّه طبقاً لبعض ما ورد عنه يكون الشروع في عمليّة الاستنباط من الأدلّة العليا للتشريع، والختم بها أيضاً، فإن كان هناك رجوع إلى النصوص المبيّنة للشريعة فذلك لكي تكون محكومةً لمفاد الأدلّة العليا(80)، والحال أنّ هذا ليس إلّا الاكتفاء بشبه المقاصد.
لقد مزج الكاتب في النص المذكور كلامه عن المقاصد بنحوٍ بحيث يتعيّن عليه قهراً قبول إشكال الاكتفاء بالمقاصد(81).
ولا يخفى أنّ تشبيهه الأدلّة العليا للتشريع بالقانون الأساسي، وسائر النصوص المبيّنة للشريعة بالقوانين المدنيّة وغير ذلك يبعدنا من منظار الاكتفاء بالمقاصد، ويجعل ذلك أمراً مقبولاً.
وعلى كلّ حال، من اللّازم اهتمام الفقيه بشبه المقاصد، كاهتمامه بالنصوص المقاصديّة في عمليّة الاستنباط، لكن بشرط أن يكون ذلك الاهتمام فنيّاً ومطابقاً لما هو معروف في الفقه.
خامساً: تلخيص المباحث المطروحة في تقسيم جامع
بناءً على ما ذكرنا في هذا القسم من البحث، لا بدّ للاجتهاد أن يبدأ من الالتفات والاهتمام بالنصوص المبيّنة للشريعة، وإلى جانب هذا الالتفات لا بدّ أيضاً من الالتفات إلى النصوص المبيّنة للمقاصد وإلى ظاهرة شبه المقاصد. وعليه، فتصوير الاستنباط الكامل منوط بما يلي:
أوّلاً: طرح المسألة.
ثانياً: الرجوع إلى القواعد والنصوص العامّة أو الخاصّة المبیّنة للشریعة.
ثالثاً: الالتفات والاهتمام بمباني النصوص المبیّنة للمقاصد وما يشبه المقاصد.
رابعاً: مراجعة النصوص المبیّنة للشریعة مرّةً اُخرى وفهمها.
خامساً: الإفتاء.
الهوامش
مصادر البحث
- القرآن الكريم.
- الآشتياني، محمد حسن، محرر الفوائد في الاستصحاب.
- الآملي، محمد تقي، كتاب الصلاة، تقريرات درس محمد حسين النائيني، مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم.
- ابن حزم الظاهري، علي بن أحمد، الإحكام في اُصول الأحكام، تصحيح وتنقيح: مكتب البحوث والدراسات بدار الفكر ـ بيروت، 1417 هـ.
- أبو القاسم، علي دوست، درس خارج الاُصول، السنة الدراسية 1396 ـ 1397 هـ.ش، على الموقع aـalidoost.ir؛ وأبو القاسم، علي دوست، مباحث درس الخارج من فقه المكاسب المحرمة على الموقع نفسه.
- أبو القاسم، علي دوست، فقه وحقوق قراردادها، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی ـ طهران، ط4، 1397 هـ.ش.
- أبو القاسم، علي دوست، فقه وعرف، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی, ط3، 1386 هـ.ش.
- أبو القاسم، علي دوست، فقه وعقل، مؤسسه فرهنگي دانش و انديشه معاصر، 1381 هـ.ش.
- أبو القاسم، علي دوست، فقه ومصلحت، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی ـ طهران، 1388 هـ.ش.
- أبو القاسم، علي دوست، فقه ومقاصد شريعت، مقال منشور في مجلة فقه أهل البيت: الفصلية (فارسي)، ص 118 ـ 158، العدد 41، ربيع 1384 هـ.ش.
- أبو القاسم، علي دوست، نقش عدالت در فرايند استنباط أول و دوم، مقال منشور في فصلية: كاوشي نو در فقه، ص 3 ـ 20، العدد 81، خريف 1393 هـ.ش.
- الأردبيلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تحقيق: مجتبى عراقي، وعلي پناه اشتهاردي، وحسين يزدي اصفهاني، انتشارات اسلامي ـ قم، 1403 هـ.
- الأنصاري، مرتضى، كتاب المكاسب، مجمع الفكر الإسلامي ـ قم، ط2، 1422 هـ.
- الإيرواني الغروي، الميرزا علي، حاشية المكاسب، ط2، نشر: رشديه ـ طهران، 1379 هـ.
- البهبهاني، السيّد علي، الفوائد العليّة، (القواعد الكلّية)، ط2، المطبعة العلمية ـ قم، 1405 هـ.
- البهسودي، محمد سرور، مصباح الاُصول، تقريرات درس أبو القاسم الخوئي.
- البوطي، محمد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميّة، ط6، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، 1422 هـ.
- التبريزي الغروي، الميرزا جواد، إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب، مطبعة مهر ـ قم، 1399 هـ.
- التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة، تقريرات درس أبو القاسم الخوئي، ط2، مطبعة سيد الشهداء ـ قم.
- حب الله، حيدر، حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر.
- الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط5، المكتبة الإسلامية ـ طهران، 1398 هـ.
- الخميني، روح الله الموسوي، الرسائل (رسالة التقية)، نشر: إسماعيليان ـ قم، 1385 هـ.
- الخميني، روح الله، المكاسب المحرمة، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ طهران، 1385هـ؛ وطبعة أُخرى بتعليق: مجتبى الطهراني، مطبعة مهر ـ قم، 1381 هـ.
- الخوئي، أبو القاسم، أجود التقريرات، تقريرات درس الميرزا محمد حسين النائيني، مطبعة العرفان ـ صيدا، 1933م.
- الخوئي، أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي، ج 4، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي ـ قم، 1417 هـ.
- الري شهري، محمد محمدي، ميزان الحكمة، ط2، مؤسسة دار الحديث ـ بيروت، 1419 هـ.
- السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام في بيان الحلال والحرام، نشر: دار التفسير ـ قم، 1430 هـ.
- السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1421 هـ.
- رستم باز، سليم، شرح المجلة، ط3، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1406 هـ.
- السيستاني، محمد رضا، قاعدة لا ضرر ولا ضرار، تقريرات درس السيّد علي السيستاني، مكتب آية الله السيد السيستاني ـ قم، 1414 هـ.
- الشبستري، محمد مجتهد، نقدي بر قرائت رسمي از دين.
- الشهيدي، مهدي، تشكيل قراردادها وتعهدات، ط3، نشر: مجد ـ طهران، 1382 هـ.ش.
- الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، 1411 هـ.
- الطباطبائي اليزدي، محمد كاظم، حاشية المكاسب، الناشر: إسماعيليان ـ قم.
- الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، دار النعمان، 1386 هـ.
- الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، انتشارات الصدوق ـ طهران، 1418 هـ.
- العنبكي، د. مجيد حميد، أثر المصلحة في التشريعات، الدار العلمية الدولية للنشر ـ عُمان، 2002م.
- العيايلي، عبد الله، أين الخطأ، نشر مكتبة النور ـ بيروت، 1978م.
- كاتوزيان، ناصر، مسؤوليت مدني (غصب واستيفاء)، جامعة طهران، 1379 هـ.ش.
- كريمي، حسين، قاعدة القرعة، تحقيق ونشر: المركز الفقهي للأئمة الأطهار، 1420 هـ.
- اللنكراني، محمدجواد بن فاضل، القواعد الفقهيّة، ط2، المركز الفقهي للأئمة الأطهار ـ قم.
- ماهنامه كيان (مجلة شهرية)، العدد 49.
- المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1419 هـ.
- مكارم الشيرازي، ناصر، القواعد الفقهيّة، ط4، نشر: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب7، 1416 هـ.
- الملّاح، د. حسين محمد، الفتوى.. نشأتها وتطورها ـ أصولها وتطبيقاتها، ط1، الناشر: المكتبة العصرية ـ صيدا، 1422 هـ/2001 م.
- الهاشمي الشاهرودي، السيّد محمود، كتاب الحج.
الهوامش
- (*) المدرس في معهد الأبحاث للثقافة والفكر الإسلامي، وأُستاذ السطوح العالية في الحوزة العلمية قم. ↩
- () أي الاکتفاء بالنصوص المبیّنة للحکم والشریعة في عملية الاستنباط. ↩
- () أي الاکتفاء بالنصوص المبیّنة للمقاصد في عملية الاستنباط. ↩
- () جعل النصّ المبيّن للحكم محوراً مع النظر إلى النصوص المبيّنة للمقاصد.
وسيتضح خلال البحث ما هو مذكور في الهوامش الثلاثة هذه. ↩ - () الطوسي محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام 7/ 256 ـ 257. ↩
- () العيايلي، أين الخطأ: ص 81. ↩
- () الصدر، السیّد محمد باقر، اقتصادنا: ص 286ـ 287. ↩
- () کاتوزیان، ناصر، مسئولیت مدنی (غصب واستیفاء)1/ 15. لا يخفى أنّ كاتوزيان رحمه الله في كتبه وآثاره في علم الحقوق يميل إلى النموذج الثاني أكثر منه إلى الثالث، لكن المتن المذكور أقرب إلى النظرية الثالثة، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ↩
- () أبو القاسم علي دوست؛ فقه ومصلحت: ص 353 ـ 376. ↩
- () المراد من (النص) و(النصوص): المضامين الواصلة إلينا من الشارع المقدّس من آيات وروايات عن المعصومين، وبشكلٍ عام يطلق على هذه الآيات والروايات ( نص). بناءً على ذلك، هذا اللفظ ليس في مقابل لفظ (ظاهر)، بل يشمل الظاهر أيضاً، والنص في هذا البحث يرادف عبارات مثل: (دلیل) و (سند). ↩
- () سورة البقرة، الآية 42 ـ 43. ↩
- () سورة البقرة، الآية 21. ↩
- () سورة البقرة، الآية 278. ↩
- () سورة البقرة، الآية 183. ↩
- () اُنظر: الطبرسي أبو منصور أحمد بن علي، الاحتجاج 1/ 134. ↩
- () نلفت النظر إلى أنّ هناك الكثير من الموارد يقال إنّها من مقاصد الشریعة من باب القرابة بين الدال والمدلول، لكن يراد منها النصوص المبيّنة للمقاصد، كما يقال أحياناً: مقاصد ويقع في مقابل النصوص المبيّنة للشريعة، نظير ما عبّرنا في عنوان البحث: الاكتفاء بالنص، والاكتفاء بالمقاصد. ↩
- () على فرض تسليم أصل الاستفادة من النصوص المبیّنة للمقاصد في استنباط الأحکام، سيكون لازماً لا جائزاً بالمعنى الأخص. ↩
- () إشارة إلى أنّه في تقسيمٍ جزئي ستكون المناهج الفقهيّة في هذا المجال ـ كما جاء في كتابنا الفقه والمصلحة: ص 362 ـ 379 ـ خمسة نظريات وطرق فيما يرتبط بذلك. ↩
- () الوجه الذي ذكره أبو حنیفة أنّه قال: «إنّي ما أرى لك حقّاً؛ لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف فركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكري، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكري». الطوسي، تهذيب الأحكام 7/ 256. ↩
- () أُنظر: سلیم رستم باز، شرح المجلة: ص 318. ↩
- () أُنظر: أبو القاسم علي دوست، فقه وحقوق قراردادها (الفقه وقانون العقود) ادله عام روايي(الأدلة الروائية العامة): ص 353 ـ 381. ↩
- () المصدر السابق، فقه وعقل: ص 103ـ 102. فقه ومصلحت: ص 149ـ 155. ↩
- () فعلى سبيل المثال يقول الشیخ الأنصاري في إثبات جواز التورية: «اللّهم إلّا أن يدّعى أنّ مفسدة الكذب ـ وهي الإغراء ـ موجودة فيها، وهو ممنوع؛ لأنّ الكذب محرّمٌ لا لمجرد الإغراء». الأنصاري، مرتضى، المكاسب المحرّمة: ص 50.
وهنا لا بدّ من القول للشیخ الأنصاري: إنّ مقاصد الشريعة كثيرة وعلى رأسها الصدق في القول، والنزاهة، والأمن، فإن كان هناك نظامٌ صالح يقوم على أساس الثقة المتبادلة، فكيف يمكن الحكم بجواز التورية بالنحو الذي ذكره الشيخ الأنصاري في كتاب المكاسب؟
ولا يخفى أنّنا بمقتضى بعض الأدلّة لا ننكر الحكم بجواز التورية، لكن نظراً إلى مقاصد الشريعة، لا بدّ من التفسير بجواز التورية. فالتورية تدبير نشأ من روح الدين والشريعة، وهي ليست مكراً واحتيالاً ناشئاً من الأنانية. أُنظر: درس بحث خارج فقه المكاسب المحرمة، مبحث الكذب، في الموقع (alidoost.ir).
النموذج الآخر لنشاط الشيخ الأنصاري الفكري هو بيع السلاح لأعداء الدین، فهو مع أنّه يقبل صراحة بأنّ «تحفّظ أعداء الدين عن بأس المسلمين خلاف مقصود الشارع»، مع ذلك لم يصرّح ويفتي ببطلان معاملة بيع السلاح لأعداء الدین، وقد مرّ مرور الكرام على هذا الأمر المهم، لم يهتم له.
ولعلّ كلام المحقّق النائيني بهذا الصدد أوضح، وفي نفس الوقت أكثر إثارة للعجب، فهو يرى أنّ إدراك العقل لملاك الحکم الشرعي ـ الذي ينشأ حسب الفرض من دليلٍ هو في الظاهر عام ـ لا يوجب تقیید وتضییق الحکم الشرعي، فقال: «لا يكون حكم العقل ـ ولو كان ضروريّاً ـ موجباً لتقييد موضوع الحكم وتضييقه؛ لما عرفت من عدم صلاح الملاك؛ لكونه قيداً للموضوع». السيد الخوئي، أجود التقريرات ـ تقريرات درس الميرزا محمدحسين النائيني 1/ 476.
وليس من الواضح أنّه على أيّ أساس لا يرى الملاك ـ الذي تكون مقاصد الشريعة جزءاً منه، وقد قطع العقل بإدراكه ـ دليلاً صالحاً للتغيير في الظاهر، والحال أنّ محلّ البحث ومفروض الکلام أنّ مراده من الملاك علة الحکم، لا الحکمة والمقتضي. ↩ - ()لا يخفى أنّ أصحاب هذا التوجّه من التفكّر الفقهي قصّروا في تتبّع النصوص المبيّنة للشريعة وبيان الحكم، ولهم دعاوى لا تنسجم مع مسالكهم ومبانيهم الفقهيّة التي هي الاكتفاء بالنصوص المبيِّنة للحكم في عمليّة الاستنباط، ولم يستفيدوا استفادةً صحيحة من النص الذي يأخذون به.
لكن هذا النوع من الغفلة لا ينبغي أن يكون على حساب هذا المنهج الفقهي، فإنّ في كلّ حركة فقهيّة هناك مَن يكون له قصورٌ وتقصير، وقضيّة فهم أبو حنيفة من حديث الخراج بالضمان هي من نوع الفهم الخاطئ للنص، فإنّه على فرض تسليم مثل هذه الحركة الفقهيّة من الاكتفاء بالنص، لا ينبغي له هذا الفهم من الحديث (أُنظر: أبو القاسم علي دوست، فقه وحقوق قراردادها ـ أدله عام روايي ـ: ص 358 ـ 375).
لم يعثر أحد من الفقهاء المعاصرين من أتباع هذه الحركة الفقهيّة على دليلٍ يدلّ على حرمة الإضرار بضرب الحيوان فضلاً عن الإضرار بالجن والشياطين (الميرزا جواد التبريزي، إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب 1/ 168)، مع أنّ الإضرار من مصاديق الظلم، ويدلّ على حرمة الظلم ـ ما دام ظلماً ـ وهناك آيات وروايات كثيرة في خصوص ضرورة الاهتمام بالحيوان ورعاية حقوقه في مصادر الشيعة والسنّة. ينظر: (الري شهري، محمدي، ميزان الحكمة: ص 712 ـ 714؛ المتقي الهندي: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 9/ 62 ـ 70.
وللمحقق الخوئي كلام حيث إنّه يرى حرمة تسخیر روح المؤمن والملائكة، ويرى عدم حرمة غيرها على الرغم من أنّ التسخیر فيه ظلمٌ للغير، ويرى جواز قتل الکفّار وأخذ الجزیة منهم في القتال، وقد جعل ذلك شاهداً على مدّعاه، مع أنّ هاتين الظاهرتين مسألتين مستقلّتين، (التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة،تقریرات درس السید أبو القاسم الخوئي 1/ 297)؛ وانظر: أبو القاسم، علي دوست، مباحث دروس الخارج من فقه المکاسب المحرمة، في الموقع (aـalidoost.ir). ↩ - () أُنظر: الملّاح، حسین محمد، الفتوى 2/ 489. العنبكي، مجيد حميد، أثر المصلحة في التشريعات: ص 94. ↩
- () أُنظر: ماهنامه کیان، العدد49، ص 34. ↩
- () أُنظر: علي دوست، فقه ومصلحت: ص 353 ـ 354 ↩
- () قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ العنکبوت: 45. ↩
- () روي عن الإمام الصادق والإمام الرضا أنّهما قالا: «الصلاة قربان كلّ تقي»، الحرّ العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة 30/ الباب 12 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، ح 1 و2. ↩
- () أُنظر: كنموذج لذلك، علي دوست؛ فقه ومصلحت: ص 38۰ ـ 384. ↩
- () تعبیر الشبهات الموضوعیة في مقابل الشبهات الحکمیة هو تعبیرٌ مشهور، المراد منه الشبهة التي لا تنشأ من الشبهة في الحکم، بل هي التي تنشأ من الشبهة في مصداق موضوع الحکم أو المصداق المتعلّق بالحکم؛ لذا من المناسب بدل التعبیر بالشبهة الموضوعیة، التعبير بالشبهة المصداقیة، وحذف مصطلح الشبهة الموضوعیة من قاموس المصطلحات. أُنظر: علي دوست، فقه وعرف: ص 360 ـ 361. ↩
- () الكثير من التأسیسات والبناءات العقلية ـ قد ينشأ العرف أحياناً، من العقل أيضاً ـ هي في حكم المدركات العقلية، وهي معتبرة ويمكن الاستناد اليها في عملية استنباط الحكم الشرعي؛ لأجل معرفة الإجابة عن الشبهات الواردة بهذا الصدد أُنظر كتابَينا: (فقه وعقل) و(فقه وعرف). ↩
- () تقدّم ذكر بعض هذه الاُمور. ↩
- () أُنظر: علي دوست، فقه ومقاصد شریعت: ص 128ـ 153. ↩
- () يرى الشیخ الأنصاري في مسألة بیع السلاح لأعداء الدین أنّ بعض الروایات تدلّ مطلقاً على الجواز، وأُخرى تدلّ على المنع مطلقاً، وفصّل آخرون بين حال الحرب وحال الصلح. فهو يرى أنّ مقتضى الصناعة الفقهيّة هو أنّ المطلقات بقرينة الطائفة الثالثة مفيدة لكلا الطرفين، ثمّ إنّه في مقابل الشهيد الأول ـ للحاظه بعض مقاصد الشارع ـ أشكل على روايات الجواز، فقال: «وصريح الروايتين اختصاص الحكم بصورة قيام الحرب بينهم و بين المسلمين ـ بمعنى وجود المباينة في مقابل الهدنة ـ وبهما يقيّد المطلقات جوازاً ومنعاً... فما عن حواشي الشهيد: ـ من أنّ بيع السلاح حرام مطلقاً في حال الحرب والصلح والهدنة؛ لأنّ فيه تقوية الكافر على المسلم، فلا يجوز على كلّ حال ـ شبه الاجتهاد في مقابل النص». الأنصاري، مرتضى، کتاب المكاسب: ص 19. ↩
- () قال الشيخ الأنصاري: «ثمّ إنّ النهي في هذه الأخبار لا يدلّ على الفساد، فلا مستند له سوى ظاهر خبر تحف العقول الوارد في بيان المكاسب الصحيحة والفاسدة» (المصدر السابق: ص 20. وانظر: التبریزي الغروي، الميرزا جواد، إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب 1/104). وقد نوقش في هذه الفتوى وطريقة الشيخ الأنصاري ومن تبعه في کتابنا فقه وعقل: ص 166ـ 167. ↩
- () روي أنّ رجلاً ابتاع غلاماً، فأقام عنده ما شاء الله أن يُقيم، ثمّ وجد به عيباً فخاصمه إلى النبيّ فردّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغلّ (اشتغل) غلامي، فقال رسول الله9: «الخراج بالضمان». السجستاني، سلیمان بن الأشعث، سنن أبي داود: ص595، باب 71، ح 3507. وانظر: علي دوست؛ فقه وحقوق قراردادها: ص 342 ـ 343. ↩
- () بحث کتاب فقه وعقل مجالات تواجد العقل اللازم والممنوع مفصّلاً. ↩
- () لا يرى أحد من الفقهاء اعتباراً لسند روایة تحف العقول، وإن أمكن جبر ضعف سندها بعمل المشهور، لكنّ البعض أشكل في ذلك. أُنظر: الطباطبائي الیزدي، السيّد محمد كاظم، حاشیة المكاسب 1/ 2.
وشكّك المحقّق الإیرواني في أصل الروایة فقال: «وقد اشبهت في التشقيق والتقسيم كتب المصنّفين». الإیرواني الغروي، الميرزا علي، حاشية المكاسب 1/ 2. ↩ - () علي دوست، فقه ومصلحت: ص 373 ـ 376. ↩
- () وهذه بعض تعابیر هذه الجماعة، أعني أصحاب فكرة الاكتفاء بالمقاصد. ↩
- () لا يخفى أنّ بعض أفراد هذه الجماعة ـ التي أخضعنا بعض تصانيفهم للدراسة والنقد ـ لا يعتقد بالاجتهاد بالمرّة، ويرون أنّ الاُمور الاجتماعيّة لا بدّ أن يوكل أمرها إلى الناس. ↩
- () أُنظر: الشبستري، محمد مجتهد، نقدی بر قرائت رسمی از دین: ص 96. ↩
- () قال الدکتور مهدي الشهیدي: «إنّ محاولة إيجاد التغيير ونشر الأفكار العامية وغير التخصّصیّة وتفسیر القانون واستنباط الأحکام على اساس التصورات والأذواق الابتدائية والشخصیّة المختلفة والتي تعتمد على معلومات ومفاهيم لا حدّ لها كمفهومي (العدالة) و (الانصاف) التي تنعكس في تصورات وأقوال عامة الناس بشكل متضاد، وكذا المعلومات البعيدة عن المفاهيم القانونية المقرونة بالهرج والمرج وعدم الاستقرار والضياع في العلاقات بين الناس... إنّ الذي له دورٌ أساسي ومصيري في تدوين القانون هو الأفكار والأبحاث العلمية والتخصّصية البعيدة كل البعد عن الأفكار المضللة والعاميّة، وهذه الأفكار هي مفاهيم عميقة وذات أبعاد قد صيغت وتبلورت في قالب عبارات القانون». الشهیدي، مهدي، تشکیل قراردادها وتعهدات: ص 24.
ما ذكره الدكتور شهيدي; ممّا يرتبط بالنظام القانوني، يتبلور أيضاً في قالب النصوص المبیّنة للشریعة. ↩ - () سورة المائدة، الآية 8. ↩
- () سورة الحشر، الآية 7. ↩
- () قد تختص هذه القواعد بحالة الشك وعدم وجود نصٍّ مبیّنٍ للحکم، وقد يكون مطلقاً. ↩
- () لا يمكن قبول تعبیر: ( قاعدة العدالة) والاستناد اليها في الفقه، بل لا بدّ أن يكون مقروناً برعاية الضوابط الفقهيّة. نعم، قد يستعمل هذا التعبير في عصرنا الحاضر من بعض العالمين بالاُمور غير العادية في مجال الفقاهة، لكنّه قد يكون منحرفاً للغاية. أُنظر: علي دوست، نقش عدالت در فرآیند استنباط اول ودوم: ص3 ـ 20. ↩
- () لا يمكن أن تكون قاعدة المصلحة قسیماً لقاعدة العدالة وبالعکس، وفي نظرنا طرح أحد الفقيهين يغنينا عن الفقيه الآخر، وفي الحقيقة لا فقيه في البين. ثمّ إنّ المراد من المصلحة في قاعدة المصلحة، هو المصلحة التي تكون مطمحاً لنظر الشارع، حيث تكون النصوص المبیّنة للمقاصد مبیّنةً لها، وهذا بمعزل عن قاعدة المصالح المرسلة لأهل السنّة. أُنظر: علي دوست؛ فقه ومصلحت: ص 347 ـ 351). ↩
- () علي دوست، فقه وعقل: ص 102 ـ 103. ↩
- () أُنظر إلى هذا النص: «... لم يسمَّ الله تعالى حكيماً من طريق الاستدلال أصلاً، ولا لأنّ العقل أوجب أن يسمّى الله تعالى حكيماً، وإنّما سمّيناه حكيماً؛ لأنّه سمّى بذلك نفسه فقط، وهو اسم علم له تعالى، لا مشتق». ابن حزم الظاهري، الإحكام في اُصول الأحكام 2/ 434 ـ 436. ↩
- () أُنظر: البوطي، محمد سعيد رمضان، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلاميّة: ص 83 ـ 90. ↩
- () أُنظر: علي دوست، فقه ومصلحت: ص 28. ↩
- () سورة المائدة، الآية 8. ↩
- () سورة آل عمران، الآية 182. ↩
- () سورة النحل، الآية 90. ↩
- () الخوئي، السیّد أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي 4/ 289. ↩
- () الهاشمي الشاهرودي، السيّد محمود، کتاب الحج 3/ 280. ↩
- () أُنظر الكتب التالية: علي دوست، (فقه وعقل)، (فقه وعرف) و (فقه ومصلحت). ↩
- () أُنظر: علي دوست، فقه وعقل: ص 125 ـ 127؛ فقه ومصلحت: ص402 ـ 406، و468 ـ 470. ↩
- () أُنظر: اللنكراني، محمد فاضل، القواعد الفقهيّة: ص 442 ـ 443؛ مکارم الشیرازي، ناصر، القواعد الفقهيّة 2/ 152؛ الآشتياني، المیرزا محمد حسن، محرّر الفوائد في (الاستصحاب) 3/ 218. ↩
- () أُنظر: البهبهاني، السیّد علي، الفوائد العليّة (القواعد الكلّية): ص 42، 48. ↩
- () أُنظر: کریمي، حسين، قاعدة القرعة: ص 77 ـ 79؛ السیستاني، محمد رضا، قاعدة لا ضرر ولا ضرار (تقریرات درس السیّد علي السیستاني): ص 325 وغيرها. ↩
- () أُنظر: البهسودي، السیّد محمد سرور الحسیني، مصباح الاُصول (تقریرات درس السیّد أبو القاسم الموسوي الخوئي) 2/ 564؛ التوحيدي، محمد علي، مصباح الفقاهة (تقریرات درس السیّد أبو القاسم الخوئي) 7/ 291. ↩
- () إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾، سورة الصافات، الآية 141. ↩
- () علي دوست، درس خارج الأُصول، السنة الدراسيّة 1396 ـ 1397 هـ.ش، جلسات 87 ـ 92؛ على الموقع aـalidoost.ir. ↩
- () أُنظر: الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 27/ 1۰9 ـ 111، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 10ـ 16. والملفت في هذا المجال ما ورد في موثقة السكوني عن النبي9 أنّه قال بدواً: «إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلّ صوابٍ نوراً»، ثمّ قال مباشرة: «فما وافق کتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»، (المصدر السابق: ص 110). وطبقاً لهذا الحديث الصحيح يكون للحق والصواب حقيقةً ونوراً يُفهم منهما أنّ هذه الحقيقة والنور ليس إلّا صحّة مفاد الحديث بإدراك العقل والمقاصد العالية للشريعة. ↩
- () لا يحتاج هذا المطلب إلى مزيد بيان، فإنّ أصل جعل الإرث وكيفيّته تابع إلى اعتبار المعتبر، وإلّا فبدون جعلٍ سابق لا يمكن تصوّر حقّ للورثة في أموال الماضين، وما هو موجود مجرّد استئناسٍ عرفي. نعم، من جعل حقّ الارث من قِبل من يتمتّع بحقّ الجعل والاعتبار يظهر هذا الحق، ويكون تابعاً لجعل الجاعل في الكيفيّة. وبناءً عليه، فإشكال العدالة في بحث الإرث ـ مع وضوح حكم الشارع في ذلك ـ غير تام، كما أنّه لا يمكن الاستفادة من أصل العدالة في الإرث، ومنح النصوص المبیّنة لأحکام الإرث جهةً دلالیّة، فالعدالة في هذا المورد تظهر بعد الجعل الشرعي لا قبله، والعدالة قبل جعل الشارع في باب الإرث هي انتظار لجعل الشارع، لا قبله. ↩
- () وردت بهذا الصدد روایات عدیدة. أُنظر: الحرّ العاملي، وسائل الشيعة 26/ 93 ـ 95، ح 1 ـ 5. ↩
- () أُنظر: علي دوست، فقه وعقل: 143. فقه ومصلحت: 510 ـ 513؛ الآملي، محمد تقي، كتاب الصلاة (تقریرات درس آیة الله المیرزا محمد حسین النائیني) 1: 312 ـ 314. ↩
- () أُنظر: السیّد أبو القاسم الخوئي، أجود التقریرات (تقریرات درس المیرزا محمد حسین النائیني) 1/ 499، وقارن ذلك مع ما في هامش الصفحة نفسها؛ محمد تقي الآملي، کتاب الصلاة (تقریرات درس آية الله المیرزا محمد حسین النائیني) 1/ 312 ـ 314. ↩
- () أُنظر كنموذج لذلك: السبزواري، السیّد عبد الأعلى، مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام 16/124ـ125؛ الأردبیلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان 8/ 76 ـ 77. ↩
- () انظر: الخميني، السیّد روح الله، الرسائل (رسالة في التقية)2/ 174ـ175. ↩
- () قال الإمام الخميني: «ثمّ إنّ الظاهر اختصاص الحرمة بغيبة المؤمن، فيجوز اغتياب المخالف، إلّا أن تقتضي التقية أو غيرها لزوم الكفّ عنها». (الخميني، السيّد روح الله، المكاسب المحرمة 1/ 249). ↩
- () أُنظر: الخميني، السیّد روح الله، مناسك الحج (المحشّی): ص 405، المسألة 1042، يقارن مع ص 404 ـ 405. ↩
- () أُنظر: الخميني، السیّد روح الله، المكاسب المحرمة 1/ 249؛ ويقارن مع الأردبیلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان 8/ 76 ـ 77. ↩
- () حبّ الله، حيدر، حوارات ولقاءات في الفكر الديني المعاصر1/ 248 ـ 250. ↩
- () «وفقاً لهذه النظرية في الاجتهاد ـ أي نظرية الشروع من الأدلّة العليا للتشريع والخروج بنتائجها، ثمّ الذهاب في المرحلة اللّاحقة إلى الأدلّة التفصيليّة، وجعل أدّلة التشريع العليا حاكمةً على الأدلّة التفصيليّة بما يشبه هيمنة الدستور على القوانين المدنيّة والجزائيّة وغيرها». (المصدر السابق: ص 250). ↩
- () المصدر السابق: ص 251. ↩
- () أُنظر: النص المنقول في الهامش رقم 81. ↩
- () أُنظر هذه العبارة: «إنّ هذه المبادئ تمثّل بالنسبة للشيخ شمس الدين الاُسس التي نستطيع من خلالها فهم أهداف الشريعة ومسلّماتها ومقاصدها». (المصدر السابق: ص 249). ↩