الشيخ حسين خشن(1*)
الخلاصة:
يعرض النص مكانة الماء في الثقافة الإسلامية بوصفه جوهر الحياة وشرط استمرارها، ويؤكد أن الإنسان يدرك بفطرته أن غياب الماء يعني موت الكائنات، وأن الحاجة إليه تفوق الحاجة إلى الغذاء؛ إذ لا يصمد الجسد أياماً قليلة بلا ماء. وفي التصور القرآني يُقدَّم الماء أصلَ الخلق ومبدأ الإحياء، وتستند هذه الرؤية إلى آيات تجعل الماء عصب الحياة، ووسيلة إحياء الأرض بعد موتها، ومصدراً للشرب والزراعة والثمار.
ثم يبيّن النص وظائف الماء الثلاث: الوظيفة التكوينية الإحيائية، والوظيفة الدينية العبادية عبر الطهارة المادية والمعنوية التي تتوقف عليها صحة العبادة، مع التنبيه إلى أن التراب بديل عند فقد الماء في الطهارة المعنوية، بينما لا بديل للماء في إزالة كثير من النجاسات الحسية. ويضيف الوظيفة الجمالية للماء بوصفه أداة للنظافة والتجمّل، وعنصراً يمنح الطبيعة روعةً وبهاءً في الأنهار والبحار والحدائق، مدعوماً بإشارات قرآنية وروايات تربط صفاء البصر بالنظر إلى الخضرة والماء الجاري.
وينتقل النص إلى مبدأ “القدر” في إنزال الماء لحفظ التوازن، ويحمّل الإنسان مسؤولية الاختلال عبر سوء الإدارة والظلم والفساد. ثم يحدد أخطر أزمتين: نضوب المياه والتلوث، ويعرض أسبابهما المعاصرة من الاستنزاف وسوء التوزيع وضعف الاستفادة من المياه العذبة، ومن مصادر التلوث المنزلية والصناعية والزراعية والجوية، مع التحذير من “حروب مائية”.
فقهياً، يعرض نظريتين لملكية الماء: العامة بوصفه من المشتركات، أو ملك الدولة، ويستنتج تقارب النتائج العملية: منع الاحتكار والإضرار، وتجريم تلويث الموارد. ويبرز دور السلطة الشرعية في تنظيم التوزيع ورفع النزاع ضمن “الأمور الحسبية”. كما يقترح معالجات لنضوب الماء عبر العدل، ومحاربة الإسراف حتى في الوضوء، وتشجيع مشاريع المياه والصدقة الجارية. أما التلوث فيعالجه بقواعد تحريم الإفساد وحماية الأمن الصحي، وبإرشادات وقائية مثل النهي عن قضاء الحاجة في الماء، وتغطية أواني الشرب، وإبعاد المراحيض عن الآبار، ومنع تسميم مياه الأعداء، وبإجراءات بعد التلوث كاجتناب الماء النجس ونزح الآبار.
الكلمات المفتاحية: التوازن البيئي، نضوب المياه، تلوث المياه، ملكية المياه، المشتركات العامة، الدولة، الاحتكار، الإسراف، الصدقة الجارية، إدارة الموارد، السلطة الشرعية، الإفساد في الأرض، الأمن الصحي، نزح البئر.
في البدء كلمة
في الثقافة الإسلامية، لا يثير الحديث عن الماء وأهميته استغراب أو تعجب أحد من المسلمين أو المطَّلعين على هذه الثقافة، أو الذين يعيشون في مناخاتها، ومردّ ذلك إلى غزارة النصوص والتعاليم والآداب المتصلة بحركة المياه واستعمالاتها.
الماء والحياة
لا أعتقد أنّ الإنسان بحاجةٍ إلى كبير عناءٍ ليدرك أنّ أهمية الماء تبلغ حدّ مساواته بالحياة، وأنّ غيابه يعني الموت المحتَّم لكلِّ أشكال الحياة، وهذا الأمر أدركه الإنسان بفطرته وغريزته منذ أن وطأت قدماه هذه المعمورة، ولذا اندفع غريزياً ليتتبَّع مصادر المياه من الينابيع والأنهار والبحار؛ لأنها منابع الحياة ومواطن الخصب والرّي. وإنّ حاجة الإنسان إلى الماء تفوق بمراتب حاجته إلى الغذاء، وتشير الدراسات إلى أنه «إذا استطاع الإنسان العيش بدون غذاء لمدة أسبوع أو أسبوعين أو أكثر، إلّا أنه لا يستطيع البقاء حياً بدون الماء لأكثر من عدة أيام، لذا يمكن للجسم أن يخسر 40 بالمئة من وزنه ويبقى حياً، أمّا خسارة الجسم لعشرة في المئة من مائه، فلها عواقب وخيمة، وإذا ما خسر 20 ـ 22 بالمئة من مائه، فقد يؤدي الأمر إلى الموت»(2).
الماء في القرآن
في التصوّر القرآني، إنّ أغلى ما في الحياة هو الماء، بل هو أصل الحياة، وبه قوامها ودوامها، واستمرارها واستقرارها، ولعل أبلغ تعبير عن هذه الحقيقة هو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾(3)، وتتحدث العشرات من الآيات القرآنية عن هذه العلاقة المباشرة بين الماء والحياة، فالماء أصل الخلق والإحياء، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾(4)، وكل مظاهر الحياة على الأرض تدين في وجودها للماء، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(5)، ويفصّل القرآن الكريم في مورد آخر الحديث عن دور الماء في عملية الإحياء، فيقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(6).
الوظيفة الدينية والجمالية للماء
إضافة إلى وظيفته الإحيائية التكوينية، وهي الوظيفة الرئيسة، فإنّ للماء وظيفتين أُخريين:
الوظيفة الدينية العبادية: فالماء يلعب دوراً أساسياً في تحقيق الطهارة التي هي شرط لا بدّ منه، ومدخل ضروري للعبادة الصحيحة، إذ لا يمكن التوجه إلى عبادة الله بجسدٍ أو ثوبٍ غير طاهر، أو في مكان كذلك، كما هو مفصَّل في الكتب الفقهية، ومادة التطهير الأساسية هي الماء ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾(7)، والطهور هو الطاهر المطهِّر كما ذكر المفسّرون، وقال سبحانه وتعالى في آية أُخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾(8). وطهورية الماء ومطهريته لا ترفع النجاسات المادية المعروفة فحسب، بل هي ترفع أيضاً النجاسة المعنوية المتأتية عما يوجب الغُسل أو الوضوء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(9). وإذا كان للماء بديل ـ في حال تعذّر الطهارة المعنوية أو تعسّرها ـ وهو التراب، فإنّه لا بديل له في الطهارة المادية، فإنّ جُلّ النجاسات المادية المعروفة لا مجال لرفعها إلّا بالماء، وما يمكن استنتاجه من ذلك، أنّ المسلم لا يمكن أن يستغني عن الماء في قيامه بوظائفه الدينية.
الوظيفة الجمالية: والوظيفة الأُخرى للماء هي الوظيفة الجمالية، وهذه الوظيفة تتمثّل من جهة أُولى في أنّه ـ أي الماء ـ وسيلة النظافة والتجمّل، مما هو حاجة إنسانية في نفسه، وقد أرشدت إليها النصوص وحثَّت عليها وصايا النبيّ9، حتى إنّه ورد في بعض المأثورات الربط بين النظافة والإيمان، فقيل: «النظافة من الإيمان»(10)، وهذه الرواية وإن لم تصحّ في مبناها، فإنها صحيحة في معناها، فإنّ مجمل النصائح الواردة في أمر النظافة تؤكّد الفكرة في مضمونها، وإن لم تؤكدها في حرفيتها.
نعم، ورد عنه9 في سياق ذلك المعنى قوله: «تنظفوا بكل ما استطعتم، فإنّ الله تعالى بنى الإسلام على النظافة»(11).
ومن جهة ثانية، فإنّ الماء يساهم في إضفاء هالة من الروعة على ما تقع عليه العين من مشاهد الأنهار في تدفقها ورونقها، والبحار في سحرها وجلالها، والثلوج ببهائها وروعتها، وهكذا الحال في الغابات والحدائق والجنائن التي يتسلل الجمال إليها مع قطرات المياه التي تروي عروقها، فتكسوها خضرةً ومهابةً وروعةً، وهذا ما ألمح إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(12). إنّ في هذه الآية إشارات إيحائية إلى متعة النظر التي يساهم الماء في إضفائها على تلك الحدائق المليئة بالأشجار المثمرة وغير المثمرة، وقد جاء هذا المعنى واضحاً في بعض الروايات، كما في الحديث عن أبي الحسن7: «ثلاثة يجلون البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن»(13).
الماء وتوازن الحياة
وتحقيقاً للتوازن في واقع الحياة، ومنعاً للمفسدة المترقَّبة في حال زيادة الماء عن حاجة الأرض والكائنات الحيّة، أو في حال نقصانه عن المستوى المطلوب، فقد قضت الحكمة الإلهية أن يكون إنزال الماء بقدر، أي بما يكفي لاستدامة الحياة وحفظ استقرارها، بلا زيادةٍ مُفْسِدة، ولا نقيصةٍ مجدبة، قال تعالى وهو يشير إلى هذا المبدأ التكويني: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾(14).
إذن، فمنسوب المياه الذي أسكنه الله في خزائن الأرض، كافٍ لاستمرارية الحياة بكل أشكالها، وأيّ خلل على هذا الصعيد، فإنّ مردّه: إمّا إلى سوء إدارة الإنسان لعملية تقاسم المياه والابتعاد عن خط العدالة في توزيعها، وإمّا إلى ظلمه وفساده وتعسّفه في التعامل مع الطبيعة ومصادر الطاقة المودعة فيها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(15).
مخاطر وتحديات
إنّ تعسف الإنسان وظلمه المشار إليه، وكذا سوء إدارته لهذه الطاقة العظيمة أو النعمة المباركة، أعني المياه، قد نجم عنه العديد من المخاطر والأزمات، لعل أشدها خطراً وضرراً على الإنسان والحيوان وكل أشكال الحياة على هذا الكوكب مشكلتان:
المشكلة الأُولى: هي مشكلة نضوب الماء. إنّ مردّ هذه المشكلة التي تجتاح الكثير من بلدان ما يعرف بالعالم الثالث، وتهدِّد الحياة فيها بخطر الجفاف والتصحّر، إلى:
أولاً: كثرة استنزاف المياه واستهلاكها.
ثانياً: سوء توزيع الثروة المائية، فإنّ غالبية مصادر المياه متوافرة في مناطق الطقس المعتدل والمناطق الاستوائية الرطبة، أمّا المناطق الصحراوية أو شبه الصحراوية، فمصادر مياهها محدودة(16).
ثالثاً: عدم استغلال الإنسان للمياه الصالحة للاستعمال إلّا بكميات قليلة، بينما القسم الأكبر منها يدخل في البحار والمحيطات، وتقدَّر كمية المياه العذبة التي يستطيع الإنسان الإفادة منها بحوالي 14000 كيلومتراً مكعباً سنوياً، بينما تشكل المياه العذبة على الأرض 35 مليون كيلومتراً مكعباً(17).
من هنا، شعرت الدول (المحظوظة) أو الغنية بمصادر المياه العذبة، بأهمية هذه الثروة، فحوّلتها إلى سلعة تجارية ربحية، أو إلى (سلاحٍ) تضغط به على الدول المجاورة، وهكذا غدا الإنسان أمام خطر اندلاع (الحروب المائية)، الأمر الذي لم يكن قائماً من ذي قبل.
المشكلة الثانية: هي مشكلة التلوث، والتي ينجم عنها مخاطر جمة، وهي لا تقل خطراً عن المشكلة الأُولى، لجهة كونها تهدد الحياة برمَّتها، ويذهب عشرات الآلاف من البشر ضحيتها، فيموتون أو يصابون بالأمراض، وتفتك بهم الأوبئة المختلفة.
ولتلوّث المياه أسباب أو مصادر عديدة:
1ـ تحويل مياه الصرف الصحي والمياه المنزلية المستعملة إلى الأنهار والبحيرات وتجمعات المياه، فتغرقها بالمواد الملوثة والسامة.
2ـ رمي النفايات الصناعية المختلفة أو شبه السائلة في المياه.
3ـ المخلّفات الناتجة عن النشاط الزراعي، من كيماويات محسّنة للإنتاج، أو مبيدات مضادة للحشرات والحيوانات، وما شابه من موادّ تُلقى في التربة أو على الأشجار، فتجرّها المياه والسيول إلى الأنهار والبحيرات ثم البحار، أو تتبخَّر فتصل إلى الغلاف الجوي ومنه إلى الأرض بواسطة الأمطار.
4ـ ومن هذه المصادر، ما يختزنه الغلاف الجوي من مياه تحوي مخلفاتٍ كيميائيةً ذات مصدر صناعي تحملها الرياح إلى طبقات الهواء، حيث تذوب وتتحلَّل في جزيئات الغيوم؛ لتهطل فيما بعد مع حبيبات المطر(18).
والسؤال بعد هذا العرض للمشكلة في بعديها: ما هي الإسهامات التي يقدّمها التشريع الإسلامي للمساعدة على الحدّ من مخاطر تينك المشكلتين؟
النظرية الفقهية حول ملكية الثروة المائية وإدارتها
في البداية، لا بدّ من أن نعرض إلى النظرية الإسلامية بشأن المياه وملكيتها، وفي ضوئها، يتم وضع تصور مرجعي لكل تصرفات الإنسان في المياه.
النظرية الأُولى: الملكية العامة
والنظرية الفقهية المشهورة في هذا الصدد، تنظر إلى المياه ـ سواء كانت مكشوفةً كمياه البحار والبحيرات والأنهار والينابيع، أو مكنوزةً ومستورةً في جوف الأرض ـ باعتبارها ملكاً عاماً، وإذا أردنا استخدام التعبير الفقهي لقلنا: باعتبارها من المشتركات والمباحات العامة، والمشتركات هي الثروات الطبيعية التي لا يمتلكها أحد من الأفراد أو الجماعات ملكيةً خاصةً، وإن كان يحق لهم كسواهم من الناس الانتفاع بها، والمستند لهذه النظرية التي ادُّعي عليها الإجماع:
1) الأصل، فإنّ مقتضى الأصل عدم دخول المياه في ملكية أحد، سواء كانت ملكيةً خاصةً أو عامةً؛ لأنّ دخولها في ملكٍ معين بحاجة إلى دليل وهو مفقود، فلا محالة تكون هذه المياه على مقتضى الإباحة، والناس فيها شرع سواء(19).
2) ما ورد في الروايات، منها: الحديث النبوي: «الناس شركاء في ثلاثة: النار والماء والكلاء»(20).
ومنها: الخبر المرويّ عن الإمام الكاظم7: سألته عن ماء الوادي؟ فقال: «إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار(21) والكلأ»(22).
والظاهر أنّ كلمة (المسلمين) في الحديث الثاني، ليست للاحتراز ليخرج غير المسلمين عن حق الاستفادة من الماء، فإنّ هذا من مفهوم اللقب، وهو ليس بحجة، كما حقق في محله. وعليه، فلا تنافي بين الحديثين؛ لأنه لا تنافي بين مثبتين، ولعل تخصيص المسلمين بالذكر، باعتبار أنّ السؤال عن منطقةٍ من مناطق المسلمين، كما يلوح من قول السائل: «سألته عن ماء الوادي»، في إشارةٍ إلى وادٍ معيَّن فيما نرجِّح.
النظرية الثانية: ملك الدولة
تلك هي النظرية الفقهية المشهورة، إلّا أنّ بعض الفقهاء المعاصرين قدّم نظريةً أُخرى حول ملكية المياه، فاعتبر أنّ المياه لا تندرج في الملكية العامة، وإنّما في ملكية الدولة (أو ملكية الإمام حسب التعبير الموروث). أجل، يُستثنى من ذلك المياه الموجودة في الأراضي المفتوحة عنوةً، فإنّها محكومة بحكم تلك الأراضي، أي هي ملك المسلمين عامةً(23). وتجدر الإشارة إلى أنّ «مصطلح ملكية الدولة والملكية العامة، يناظران تقريباً مصطلحي الأموال الخاصة والأموال العامة للدولة في لغة القانون الحديث»(24). والمستند في هذه النظرية هو: أنّ ما استدلَّ به للنظرية الأُولى غير تام، فإنّ الإجماع محتمل المدركية، والروايتان ضعيفتان سنداً، أمّا الأُولى فلأنّ فيها مجهول، وضعیف ذاهب الحديث، وقال البخاري: عبد الله بن خداش عن العوام بن حويش منكر الحديث.(25) وأمّا الثانية، فلأنّ في سندها محمد بن سنان، وهو ضعيف. وأمّا الأصل، فإنّ بالإمكان الاعتماد عليه لولا الروايات الصحيحة الواردة عن الأئمة:، ومفادها: أنّ «الأرض كلّها لنا»، فإنّها تقتضي رفع اليد عن الأصل الأوّلي المذكور(26).
أقول: يمكن ترجيح النظرية الأُولى، وذلك أنه ليس من البعيد حصول الوثوق بمضمون الروايتين، ولا سيّما بعد هذا التلقي الإسلامي العام لهما، مؤيداً ذلك بالأصل المشار إليه، وبالإجماع المدَّعى في المسألة(27)، وبالأعراف القانونية العقلائية في اعتبار المياه ملكاً للأُمّة لا الدولة، وإن كانت هذه القوانين تعطي الدولة حقَّ تنظيم الموارد المائية والإشراف على توزيعها.
بين حقّ التملّك وحقّ الانتفاع
ثم إنه بناءً على النظرية الأُولى، فإنّ بإمكان الإنسان أن يتملّك من المياه المكشوفة بواسطة الحيازة وبذل الجهد في سبيل تحصيلها والانتفاع بها، أي أنّ العمل هو أساس التملّك، فلو دخلت تلك المياه في ملكه بتسرب أو نحوه ودون عمل، فلا يكون مالكاً لها، وإنّما تبقى على الإباحة العامة، وأمّا المياه المكنوزة في باطن الأرض، فهي أيضاً لا تختص بأحد ما لم يعمل ويبذل الجهد للوصول إليها، فإذا كشفها إنسان بالعمل والحفر، أصبح له حق في العين المكتشفة يجيز له الاستفادة منها، ويمنع الآخرين من مزاحمته... ولكن، هل يملك العين؟
اختار الشهيد الصدر، تبعاً للشيخ الطوسي، أنه لا يملك نفس العين الموجودة في أعماق الطبيعة(28)، خلافاً للمشهور، فإنّهم اختاروا ملكية الإنسان للعين بإخراجها، وذلك لعدة وجوه ناقشها الشهيد الصدر(29)، ومن ثم استشهد لرأيه، بأنّ المادة من المشتركات، وإنّما حصل للمكتشف بعمله حق الأولوية، فإذا أشبع حاجته، كان للآخرين الانتفاع بها(30)، فقد جاء في حديث أبي بصير، عن الإمام الصادق7: «نَهَى رسول الله عن بيع النطاف والأربعاء، قال: والأربعاء: أن تسنّي مُسنّاة، فتحمل الماء وتسقي به الأرض، ثمّ تستغني عنه، قال: فلا تبعه، ولكن أعرْه جارك، والنطاف: أن يكون له الشرب فيستغني عنه، فيقول: لا تبعه، أعرْه أخاك أو جارك»(31)، هذا كله بناءً على نظرية الملكية العامة.
وأمّا بناءً على نظرية ملك الدولة، فقد اختار هنا صاحب هذه النظرية عدم الملكية، على اعتبار أنّ أدلة الحيازة لا تدل على أكثر من إعطاء المحيز حق الانتفاع بالماء دون تملكه(32).
استنتاجات
بالعودة إلى النظريتين الفقهيتين المشار إليهما حول ملكية المياه، فإنّه لا يبدو أنّ ثمة اختلافاً جوهرياً بينهما لجهة النتائج العملية المرتبطة بعلاج مشكلتي نضوب المياه وتلوّثها، وأهم هذه النتائج:
1ـ إنّ الاستفادة من المياه هي حقٌّ للجميع، ولا يسمح لشخصٍ معيَّن أو جهة معينة أن تقوم باحتكار مصادر المياه والاستئثار بها، سواء أكان ذلك بغرض الإضرار بالآخرين، أو محاولة الضَّغط عليهم وابتزازهم أو بيعهم الماء؛ لأنّ الماء وفق النظرية الأُولى، يندرج في عداد المشتركات العامة، والناس فيه شرع سواء، وأمّا طبق النظرية الثانية، فالنتيجة لا تتغير أيضاً؛ لأن ملكية الدولة للمياه تفرض عليها تنظيم عملية الاستفادة منها، وأن لا يُسمح لأحدٍ بالتصرف الاحتكاري فيها، وأن يكون تصرفه منوطاً بإذن الحاكم العادل.
2ـ لا يحق لأحدٍ القيام بأية أعمال تخريبية أو تدميرية، بحيث يلوّث المياه ويمنع الاستفادة منها، كما قد تفعل بعض الدول لدى إجرائها تجارب نووية في البحار، الأمر الذي يمنع من إمكانية الاستفادة منها إلّا في نطاق محدود.
إنّ النتيجتين المذكورتين ترتكزان على مبدأ واحد، وهو أنّ مصادر المياه لا تدخل في ملك أحدٍ بعينه ليكون طليق اليد في التصرف فيها كيفما شاء، ودون مراعاة حقّ الآخرين، وإنّما هي ملك الأُمّة أو الدولة، وما دلّ على جواز الانتفاع بها وإباحة استعمالها، لا دلالة فيه ولا شمول له للتصرفات العابثة أو المانعة من استفادة الآخرين.
دور السلطة في إدارة المياه
إنّ اشتراك عامَّة الناس في أمرٍ ما قد يكون سبباً للنزاع؛ لأنّ الشركة مدعاة الاختلاف، والاشتراك في الماء لا يخرج عن هذه القاعدة، فإنّه قد يكون سبباً لبروز اختلافات حول مَنْ يمتلك حق الأولوية في هذا الماء أو ذاك، وقد تحصل نتيجة ذلك صراعات وتعديات، ولا سيما عندما يتكاثر البشر، وتضيق الموارد المائية عن تلبية حاجياتهم، ويكون هناك قوي وضعيف؛ ولذا فإنّ من الطبيعي والحال هذه، أن يكون المخوّل بإدارة مسألة المياه وتنظيم عملية توزيعها بشكل متساوٍ هو السلطة الشرعية الحاكمة، فإنّ ذلك من مهامها ومسؤولياتها، وهذا ما يمكن تخريجه وفق المباني الفقهية كافة في شأن السلطة وولاية الأمر، فإنّ التصدي لمثل هذه الأُمور، يندرج فيما يسمى فقهياً بالأُمور الحسبية التي لا يرضى الشارع الحكيم بإهمالها، وينيط أمرها تنظيماً وتدبيراً وإشرافاً بالحاكم الشرعي.
هذا ولو أنّا أخذنا النظرية الثانية بعين الاعتبار، فإنّ مرجعية السلطة في إدارتها وتنظيمها قضايا المياه تكون أكثر وضوحاً.
المعالجات الفقهية لمشكلتَي نضوب المياه وتلوّثها
هذا ما يمكن تقديمه من علاج عام لمشكلتي نضوب المياه وتلوثها في ضوء النظرية العامة، وثمة حلول أُخر تفصيلية لهاتين المشكلتين نتحدث عنها في العنوانين الآتيين:
أولاً: المعالجات الفقهية لمشكلة نضوب المياه
في المعالجات الفقهية التي يقدمها التشريع الإسلامي للحدّ من مشكلتي نضوب المياه وتلوّثها، يمكننا أن نشير إلى جملة قواعد فقهية تساعد مراعاتها على معالجة المشكلة ببعديها، أو على الحدّ من مخاطرها، ونبدأ بالمعالجات الفقهية لمشكلة نضوب المياه.
فالملاحظ أنّ المقترحات أو الحلول الفقهية لمشكلة نضوب المياه تنصبّ في معظمها على معالجة المشكلة في أسبابها، وعمدة الأسباب ترجع إلى الأسباب الثلاثة التالية: سوء تصرف الإنسان في توزيع الثروة، وكثرة استهلاكه للمياه، وعدم استغلاله لمصادر الماء التي تذهب هدراً في معظمها. وفيما يلي، نشير إلى المعالجات الفقهية للأسباب الثلاثة المذكورة(33).
1ـ العدل في توزيع الثروة المائية
المعالجة الأُولى التي يمكن طرحها في المقام، باعتبارها معالجة طبيعية يقرّها العقل والوجدان، هي العمل على توزيع الثروات المائية التي أودعها الله في الأرض على أساس العدل والإنصاف، فإنّ هذه الثروات المائية متوافرة بكميات كافية لسدّ احتياجات الإنسان وسائر الكائنات الحية، والله سبحانه وتعالى كما نصّ القرآن الكريم، وكما تؤكده تقديرات الخبراء، قد أنزل من السماء ماءً بقدر، وأودع في الأرض من مصادر المياه ما يكفي لسدّ حاجة كل المخلوقات الحية، إلّا أنّ المشكلة في أبرز جوانبها، تكمن في سوء تصرف الإنسان وظلمه، وعدم انتهاجه مبدأ العدالة في توزيع مصادر المياه، وقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق7: «لو عدل في الفرات، لسقى (لأسقى) ما على الأرض كله»(34)، ومن البديهي أنّ المعنيّ بإدارة الثروة المائية وتوزيعها على الناس بالعدل والسوية، هو السلطة الشرعية، كما ذكرنا آنفاً.
2ـ الإسراف في استهلاك الماء
والسبب الآخر لمشكلة نضوب الماء، والذي عمل الإسلام في قوانينه وتعاليمه على مواجهته، هو الإسراف في استخدام المياه، والاستنزاف غير المتوازن لمواردها، فإنّه من المعلوم أنّ للإسلام موقفاً صارماً وحاسماً من موضوع (الإسراف) و(التبذير) و(إضاعة المال)، فقد حرّم ذلك تحريماً قاطعاً، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(35)، وقال جلّ وعلا: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (36). والروايات الواردة في تحريم الإسراف كثيرة، حتى إنّ بعضها أدرجته في عداد كبائر الذنوب(37).
هذا على نحو العموم، وثمة تأكيد في النصوص على منع الإسراف في خصوص استخدام المياه، بما في ذلك ماء الشرب أو ماء الوضوء، ففي الخبر عن أبي عبدالله الصادق7 قال: «إنّ القصد أمر يحبه الله، وإنّ السرف أمر يبغضه الله، حتى طرحك النواة، فإنّها تصلح لشيء، وحتى صبّك فضل شرابك»(38).
وفي خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله7 أيضاً قال: «أدنى الإسراف هراقة فضل الماء، وابتذال ثوب الصون، وإلقاء النوى»(39).
وفي بعض الأخبار عنه7: «إنّ لله ملكاً يكتب سرف الوضوء»(40).
وعن عبدالله بن عمر: «مرّ رسول الله9 بسعد وهو يتوضأ، فقال9: «لا تسرف، ما هذا السرف يا سعد!»، قال: أفي الوضوء سرف؟! قال9: «نعم، وإن كنت على نهرٍ جارٍ»(41).
3ـ بذل الماء والصدقة الجارية
وأمّا السبب الثالث للمشكلة، وهو عدم استغلال الإنسان للمياه الصالحة للشرب والاستعمال إلّا بكميات قليلة، فعلاجه واضح، إذ من المفترض بالأُمّة ـ أية أُمّة ـ من خلال هيئاتها المختصة، أن تعمل على إعداد الخطط وبذل الجهود في سبيل الاستفادة من المياه المهدورة التي تصبّ في البحار، وذلك من خلال إقامة السدود والتجمعات المائية، أو نحوها من المشاريع التي تحفظ الثروة المائية من الضياع، وهذا الأمر ليس من النوافل أو المستحبات، بل إنّه عندما تكون الحاجة إلى تلك المشاريع ملحّةً وضرورية، كما في كثير من الحالات، فإنّ هذا العمل يندرج حينها في عداد الواجبات النظامية الكفائية التي تُكلَّف بها الأُمّة، فإنْ قام بها الكل أو البعض، أُثيبوا وسقط الواجب عن الجميع، وإلّا إن لم يقم بها أحد عوقب الجميع، وحيث إنّ إقامة المشاريع المائية تدخل في عداد المصالح العامة وأعمال البر والخير، فإنّ الإسلام يُرغِّب فيها، ويسمح للناس بصرف حقوقهم الشرعية في سبيل تشييدها وعمارتها، كما ويحثهم على بذل أموالهم الخاصة في هذا السبيل، باعتبار أنّ ذلك من أجلى مصاديق الصدقة الجارية، ففي الحديث المرويّ عن الإمام الصادق7: «ستة يلحقن المؤمن بعد وفاته: ولد يستغفر له، ومصحف يخلفه، وغرس يغرسه، وصدقة ماء يجريه، وقليب (بئر) يحفره، وسنة يؤخذ بها من بعده»(42).
وفي الخبر عن أبي عبدالله7 قال: قال أمير المؤمنين7: «أول ما يبدأ به في الآخرة صدقة الماء، يعني الأجر»(43).
وعن أبي عبدالله7: «أفضل الصدقة، إبراد كبدٍ حرَّى»(44).
وقد عقد الشيخ الكليني في كتاب الكافي باباً مستقلاً تحت عنوان: (سقي الماء)، وأورد فيه جملةً من الأخبار الدالة على فضل سقي الماء وعظيم ثوابه عند الله، وهي روايات عامّة ولا مخصّص لها، وتدل على استحباب سقي الماء وعظيم ثوابه عند الله، للناس جميعاً على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، ولا يقتصر الثواب والأجر على توفير المياه لبني الإنسان، بل يثاب المرء على توفير المياه حتى للحيوانات والأشجار والنباتات، ففي الحديث عن أبي جعفر7: «إن الله تبارك وتعالى يُحبّ إبراد الكبد الحرى، ومن سقى كبداً حرى من بهيمة أو غيرها، أظله الله يوم لا ظل إلّا ظله»(45)، وروى العياشي في تفسيره عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ9 ـ في حديث ـ قال: «من سقى طلحة أو سدرة، فكأنّما سقى مؤمناً من ظمأ»(46).
ويتضاعف الثواب على توفير المشاريع المائية وتجهيزها، كلما تضاعفت الحاجة إلى الماء، فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق7 قال: «من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء، كان كمن أعتق رقبة، ومن سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء، كان كمن أحيا نفساً، ومن أحيا نفساً فكأنّما أحيا الناس جميعاً»(47).
إنّ تأسيس المشاريع المائية وتوفيرها للنّاس، يلعب دوراً كبيراً، ليس فقط في تأمين الموارد المائية لحاجيات الناس المختلفة، ما يسهم في التغلب على مشكلة نضوب المياه، أو يحدّ من مخاطرها، وإنّما يسهم أيضاً في حماية البيئة من خطر الجفاف والتصحّر، ويساعد على تلطيف الأجواء، وإضفاء لمسة جمالية على الطبيعة ومكوناتها.
ثانياً: المعالجات الفقهيّة لمشكلة تلوّث المياه
أمّا المشكلة الأُخرى، وهي مشكلة تلوث المياه، فإنّ بالإمكان أيضاً تقديم حلول ومعالجات فقهية لها، تارةً من خلال القواعد الفقهية العامة، وأُخرى من خلال بعض النصوص أو التعاليم الخاصة الواردة في المقام، والتي سنلاحظ أنّها ليست مجرد نصوصٍ مبعثرة، ولا تمثّل خروجاً عن القواعد العامة، وإنّما تتكامل معها في التأسيس للنظرية الإسلامية بشأن حماية الثروة المائية.
1ـ معالجة الموقف طبقاً للقواعد العامة
لا نبالغ إذا قلنا إنّ قواعد الفقه الإسلامي كفيلة ـ في حال تطبيقها والالتزام بها ـ بحماية الثروة المائية من التلوث وتداعياته السلبية، ونشير فيما يأتي إلى اثنتين من هذه القواعد، والتي تقدم الحديث عنها مفصَّلاً في المباحث السابقة:
أ ـ حرمة الإفساد في الأرض:
وهذه القاعدة تقضي بحرمة كل تصرف إنساني يحمل طابعاً عدوانياً ضد البيئة، ويندرج في ذلك التصرفات الملوّثة للماء على أنواعها، سواء مياه الينابيع أو الأنهار أو البحيرات أو البحار، وصدق عنوان الإفساد واضح بالنسبة إلى التصرّفات أو الأفعال التلويثية المباشرة، أو التي لا ينفك عنها التلويث، مع كونها أفعالاً عابثةً أو لا مصلحة للإنسان فيها، من قبيل التجارب النووية التي تجريها الدول في أعماق البحار والمحيطات، أو تحت سطح الأرض أو على وجهها، وما ينجم عنها من قضاء شبه تامّ على الثروة الحيوانية، وتلويث للمياه، وهكذا الحال في رمي النفايات الطبية أو النفطية في الأنهار أو على شواطئ البحار، أو إلقائها على وجه الأرض أو في جوفها، وهو ما قد يؤدي إلى تلويث المياه الجوفية، فهذه التصرفات وأمثالها لا شكَّ في صدق عنوان الإفساد عليها.
أمّا غيرها من التصرفات التي لا تتعمَّد التلويث المباشر، ولا تكون تصرفات عابثةً، وإنّما هي تصرفات ذات أهداف وأغراض عقلانية، وتعود بالنفع على الإنسان والحياة بكل أشكالها وأنواعها، لكنها لا تنفك عن بعض التأثيرات السلبية، كما هو الحال في غالب الأعمال الصناعية، وما قد ينجم عنها من مؤثرات سلبية على البيئة برمتها، بما في ذلك الثروة المائية، فهذه يصعب صدق عنوان الإفساد عليها، ولذا فإنّ المنع من هذه التصرفات أو الحدّ منها يحتاج إلى قواعد أُخر.
ب ـ حرمة الإخلال بالنظام الصحي للإنسان:
إنّ تلويث المياه بشكل غير مسؤول، لا ينفك عن الإضرار بالإنسان والاعتداء على أمنه الصحي، إمّا بطريقة مباشرة من خلال استهلاكه المياه الملوّثة، أو غير مباشرة من خلال استهلاكه المنتجات الزراعية أو الحيوانية التي طالها التلوّث، ومن المعلوم أنّ حماية الأمن الصحي للإنسان هو من الفرائض، والاعتداء عليه هو من المحرَّمات الشرعية.
أجل، إنّ الملاحظة المتقدمة بشأن التفرقة بين التصرفات أو الأفعال التلويثية المباشرة أو العابثة، والأفعال ذات المصلحة الإنسانية، والتي قد يترتَّب عليها الضرر عرضاً أو قهراً، إنّ هذه الملاحظة واردة في المقام أيضاً.
2ـ معالجة الموقف طبقاً للتعاليم الخاصة
يلاحظ المتابع والمتأمل في النصوص الإسلامية، وما تتضمنه من تعاليم ووصايا وإرشادات، اهتماماً واضحاً بشأن حماية الثروة المائية من التلوّث، وتوجيهاً خاصاً للإنسان إلى ضرورة الابتعاد عن استهلاك المياه الملوّثة. وإليك بعض هذه التعاليم:
أ ـ اجتناب قضاء الحاجة في الماء:
في العديد من الروايات الواردة عن النبي9 وأهل بيته:، ورد النهي عن أن يبول الإنسان في الماء، من ذلك:
1ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله7 قال: «لا تشرب وأنت قائم، ولا تطفْ بقبرٍ، ولا تبلْ في ماء نقيع، فإنه من فعل ذلك فأصابه شيء، فلا يلومنَّ إلّا نفسه»(48).
2ـ حديث المناهي عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن رسول الله9 قال: «ونَهَى أن يبول أحد في الماء الراكد، فإنه يكون منه ذهاب العقل»(49).
3ـ خبر مسمع ـ وفيه إرسال ـ عن أبي عبدالله7 قال: قال أمير المؤمنين7: «إنه نَهَى أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة، وقال: إنّ للماء أهلاً»(50).
4ـ خبر جابر، عن رسول الله9: «لا يبول أحدكم في الماء الناقع»(51).
إلى غير ذلك من الروايات الواردة من طرق الفريقين(52).
وهذه الروايات تحمل دعوةً واضحةً إلى اجتناب البول في الماء، معللةً ذلك بأنه يؤذي أهله أو يضرّهم كما في بعض الروايات. و(أهل الماء) ليس من الضروري تفسيره تفسيراً غيبياً، كالقول: إنّ المراد به الجن، إذ من الممكن أن يراد به الثروة السمكية والحيوانية التي تتخذ من الماء مسكناً وتعيش فيه، ويكون لفضلات الإنسان آثار سلبية عليها. نعم، قد يشهد للتفسير الأول ما جاء في بعض الروايات من النهي عن دخول الأنهار إلّا بمئزر، معللةً ذلك أيضاً بأنّ «للماء أهلاً وسكاناً»(53).
وثمة أسئلة فقهية تفرض نفسها في المقام:
الحرمة أو الكراهة:
السؤال الأول: إنّ المستفاد من تلك الروايات، هل هو حرمة البول في الماء أو مجرّد كراهته؟
الجواب: المشهور بين الفقهاء هو الكراهة، لكن الصدوقَيْن والمفيد اختاروا الحرمة في الماء الراكد، تمسّكاً بظاهر النهي، وجعل بعضهم الاجتناب أحوط(54)، وقد يجعل الاستثناء في خبر مسمع المتقدم مؤيداً للحرمة، إلّا أنّ سياق الروايات المتقدمة، يشهد لحمل النهي على الكراهة، فإنّ قوله7 في الرواية الأُولى «لا تشرب وأنت قائم»، محمول على الكراهة بالإجماع، إلّا أن يقال: إنّ التفكيك في السياق الواحد ليس عزيزاً، فتأمل، ومما يشهد للكراهة أيضاً، التعليلات الواردة في الروايات، والتي تشير إلى بعض الآثار الوضعية المترتبة على البول في الماء، من قبيل ذهاب العقل، أو أنّ للماء أهلاً، أو أنه يتخوّف عليه من الشيطان، أو أنه يورث النسيان(55)، فإنّ هذه التعليلات على فرض واقعيتها، تؤشر إلى كون النهي إرشادياً أو تنزيهياً.
اختصاص الكراهة أو شمولها:
والسؤال الثاني: إن الكراهة أو الحرمة على فرض الالتزام بها، هل تختص بالماء الراكد، أو تشمل غيره أيضاً؟
الجواب: خصّ الصدوقان والمفيد الحكم ـ وهو الحرمة عندهم ـ بالماء الراكد، استناداً إلى صحيحة الفضل، عن أبي عبدالله7 قال: «لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، وكره أن يبول في الماء الراكد»(56). وموثقة ابن بكير، عنه7 أيضاً قال: «لا بأس بالبول في الماء الجاري»، وفي معناها موثقة سماعة(57). لكن المشهور أنّ الكراهة لا تختص بالماء الراكد، وإن كانت فيه آكد، وجمعاً بين هذه النصوص والنصوص المطلقة، بحمل هذه على الكراهة الضعيفة، يقول السيد الخوئي;: «لأنّ مقتضى الجمع بين الطائفتين التفصيل بين الجاري وغيره في هذه الروايات، بحمل الطائفة الثانية على خفة الكراهة في الجاري، والأُولى على شدتها في الماء الراكد»(58).
خصوصية البول:
والسؤال الثالث: إنّ الكراهة أو الحرمة هل تختصّان بالبول في الماء، أو يمكن التعدي إلى الغائط أيضاً، وربما إلى غيره من القذارات التي تلقى في الماء؟
الجواب: يظهر من جماعة، أنّ الحكم مختص بالبول وقوفاً على النصوص، و«تعدى الأكثر، ومنهم الشيخان(59)، إلى الغائط أيضاً، فكرهوه فيه (أي في الماء)»(60).
وما يمكن أن يكون مستنداً لهذا التعميم هو: دعوى الأولوية العرفية، كما عن الشهيد الأول(61)، إلّا أنّ الأولوية لا تخلو من تأمل، بلحاظ التشدد الشرعي في أمر البول أكثر من سائر النجاسات، فالمعروف فقهياً اشتراط التعدد في التطهير بالماء القليل من نجاسة البول دون غيرها من النجاسات.
ولكن لقائل أن يقول:
إنّ دعوى الأولوية العرفية إذا لم تكن واردةً، فلا أقل من إلغاء الخصوصية عن البول، ويؤيد ذلك: التفرقة بين الماء الجاري والماء الراكد، حيث رخَّصت الروايات بالبول في الأول دون الثاني، فإنّ ذلك ليس إلّا من جهة أنّ الماء الراكد يفسد بالبول فيه، ما يسبب ضرراً وإيذاءً لمستخدميه من بني الإنسان أو غيرهم، بخلاف الماء الجاري، فإنّه وبسبب جريانه، لا يضرّه ولا يفسده تبوّل الأفراد فيه، ما لم يتحوَّل إلى ظاهرة عامة، كما يحصل في زماننا، حيث يتمُّ توجيه مجاري الصرف الصحي إلى الأنهار، ما يؤدي إلى تلويثها وإفسادها.
إن قلت: إنّ الروايات علَّلت النهي عن البول في الماء بتعليلاتٍ تعبديةٍ، من قبيل ذهاب العقل، أو أنّ الشيطان يسرع إلى العبد الذي يفعل ذلك، فإنّ من غير المفهوم وجه الربط بين هذه الأُمور والبول في الماء، الأمر الذي يمنع من إلغاء الخصوصية والتعدي إلى سائر الموارد.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّ هذه التوجيهات هي من قبيل الحكمة لا العلة التي يدور الحكم مدارها ـ إنّ ثمة تعليلاً ورد في بعض الروايات، وهو «أنّ للماء أهلاً»، فلو رجّحنا تفسير الأهل بالأسماك وغيرها من الكائنات الحية، فلا يكون تعليلاً تعبديّاً، خلافاً لما ذكره بعض الفقهاء(62).
ب ـ إجراءات ما قبل التلوّث:
في المعالجات الفقهيَّة التفصيليَّة الواردة في سبيل حماية المياه من التلوّث، لا تكتفي التعاليم الإسلامية بمجرد النهي عن تلويث المياه وإفسادها، بل إنّها من جهة معيَّنة، تدعو وتحثُّ على اتّخاذ جملةٍ من الإجراءات الوقائيَّة التي تحول دون تلوّث المياه، ومن جهةٍ أُخرى، فإنّها تقدِّم علاجاتٍ لما بعد التلوّث، أمّا الإجراءات الوقائية أو إجراءات ما قبل التلوث، فإننا نشير فيما يأتي إلى عدَّة نماذج منها، ما يعكس حرصاً بالغاً على حماية الإنسان من مخاطر التلوّث:
الأول ـ حفظ مياه الشّرب من الجراثيم:
إنّ لتلوّث المياه آثاراً سلبيةً في صحة الإنسان، إمّا بشكل مباشر، كما هو الحال في تلوّث مياه الشّرب، أو بشكل غير مباشر، كما في تلوث مياه الريّ التي تُسقى منها الخضروات والفواكه التي يتناولها الإنسان، وقد أرشدت النصوص الواردة عن النبيّ9 وأهل بيته، إلى ضرورة حفظ مياه الشرب من الملوّثات والجراثيم والحشرات، ففي الحديث عن أبي عبدالله7 أو أبي جعفر7، عن جابر بن عبدالله قـال: قـال رسـول الله9: «خمّروا آنيتــكم، وأوكـوا أسقيتـكم، وأجيـفوا أبوابكم...»(63). والتخمير: التغطية، وإيكاء السقاء: شد رأسها بالوكاء، و «أجيفوا أبوابكم» أي أغلقوها.
وهذا المضمون مرويٌّ في مصادر المسلمين السنة أيضاً، وبالتعبيرات نفسها تقريباً، ففي سنن ابن ماجه، بإسناده إلى جابر عن رسول الله9 أنه قال: «غطّوا الإناء، وأوكوا السِّقاء، وأطفئوا السراج، وأغلقوا الأبواب، فإن الشيطان لا يَحلُّ سقاءً، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناءً»(64).
إنّ الأمر بتغطية الأواني وإحكام إغلاقها، هو تدبير احترازي إرشادي، هدفه حماية الإنسان الذي يستخدم هذه الأواني من الملوّثات التي قد تنتقل إليها عبر الهواء أو غيره، وربما كان الشيطان في مثل هذه الموارد إشارة إلى كل مؤذٍ من الملوثات المذكورة.
الثاني ـ إبعاد مجاري الصرف الصحي عن الآبار:
والنّموذج الثاني: هو ما أكدته التعاليم الواردة عن أئمة أهل البيت:، حول ضرورة وجود مسافةٍ معيَّنةٍ بين البئر التي تتجمع فيها المياه الجوفية عن طريق التسرب الذاتي، والكنيف الذي تُلقى فيه النجاسات والقذارات، في إرشادٍ واضحٍ إلى حماية المياه من تسرب القذارات والنجاسات إليها. ونكتفي في المقام بذكر روايتين:
الأُولى: صحيحة الفضلاء، قالوا: قلنا له: بئر يتوضّأ منها، يجري البول قريباً منها، أينجّسها؟
قال: فقال7: «إن كانت البئر في أعلى الوادي، والوادي يجري فيه البول من تحتها، وكان بينهما قدر ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع، لم يُنجِّس ذلك شيء، وإن كانت البئر في أسفل الوادي، ويمرُّ الماء عليها، وكان بين البئر وبينه تسعة أذرع، لم ينجِّسها، وما كان أقل من ذلك فلا يتوضأ منه»(65).
الرواية الثانية: خبر الديلمي عن أبيه: سألت أبا عبدالله7 عن البئر يكون إلى جنبها الكنيف. فقال لي: «إنّ مجرى العيون كلّها من مهبّ الشمال، فإذا كانت البئر النظيفة فوق الشمال، والكنيف أسفل منها، لم يضرّها، إذا كان بينهما أذرع، وإن كان الكنيف فوق النظيفة، فلا أقلّ من اثني عشر ذراعاً، وإن كانت تجاهاً بحذاء القبلة، وهما مستويان من مهب الشمال، فسبعة أذرع»(66).
وقد أفاد الفقهاء، أنه مع العلم باتصال ماء البئر بالكنيف أو البالوعة، فاللازم اجتناب ماء البئر، وأمّا مع عدم العلم بالاتصال، فثمة خلاف فقهي في مقدار التباعد المستحب. يقول العلّامة الحلي: «المشهور أنّه يستحبّ أن يكون بين البئر والبالوعة سبعة أذرع إذا كانت الأرض سهلةً، وكانت البئر تحت البالوعة، وإن كانت صلبةً، أو كانت فوق البالوعة، فليكن بينها وبينه خمسة أذرع، ذكره الشيخ; وأبو جعفر بن بابويه وابن البرّاج وابن إدريس، وقال ابن الجنيد: إن كانت الأرض رخوةً والبئر تحت البالوعة، فليكن بينهما اثنا عشر ذراعاً، وإن كانت صلبةً أو كانت البئر فوق البالوعة، فليكن بينهما سبعة أذرع»(67).
ومع صرف النظر عن الخلاف الفقهي في مسافة التباعد بين البئر والبالوعة ـ وأنها خمسة أذرع مع فوقية البئر أو صلابة الأرض، وإلّا فسبعة أذرع كما هو المشهور، أو أنها سبعة أذرع مع فوقية البئر أو صلابة الأرض وإلّا فاثنتا عشر ذراع كما هو رأي ابن الجنيد عملاً بخبر الديلمي رغم ضعف سنده ـ فإنّ هذا الحكم وما ورد فيه من نصوص، يعكس حرص الإسلام الشديد على حماية المياه التي يستهلكها الناس من التلوث والنجاسة.
الثالث ـ النهي عن إلقاء السمّ في مياه الأعداء:
تُبرِّر كثير من الدول والأنظمة لنفسها في حال الحرب، استعمال مختلف الأسلحة وشتى الوسائل بهدف النيل من أعدائها، بما في ذلك الأسلحة الكيمائية والذرية والجرثومية، إلّا أنّ الإسلام حدد للحرب وسائلها، كما حدد لها أهدافها وغاياتها وزمانها ومكانها، ومنع من استعمال الأسلحة التي تؤدي إلى قتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، أو قطع الأشجار والغابات. ومن هنا، فقد حرَّم إلقاء السُّم في مياه المشركين أو طعامهم في حال قيام الحرب، فضلاً عن الحالات الطبيعية، فقد روى الكليني بإسناده إلى السكوني عن أبي عبدالله7 قال: قال أمير المؤمنين7: «نَهَى رسول الله أن يُلقى السُّم في بلاد المشركين»(68)، ورواها الشيخ أيضاً في التهذيب، بإسناده إلى السكوني أيضاً(69).
والحديث وإن لم يذكر الماء، ولكن ذلك مشمول لإطلاقه، على أنّ إلقاء السم في الماء هو الحالة المتعارفة، وسيأتي أنّ بالإمكان أن نستفيد منه حرمة استعمال السلاح النووي والذري بالأولوية؛ لأنه إذا حرّم إلقاء السم في بلاد المشركين، فبطريقٍ أولى يحرم استخدام ما هو أشدُّ فتكاً من السّم، وهو السلاح النووي أو الذرّي.
ج ـ إجراءات ما بعد التلوّث:
ثم إذا حصل وتلوّث الماء بشيء من القذارات والنجاسات المعروفة، كالبول أو الغائط أو الدم أو غيرها، فإنّ الموقف الشرعي يحتّم اجتناب استخدامه فيما يشترط فيه الطهارة، من الأكل والشرب أو الوضوء والغسل، ويفرض إراقته من الأواني، إرشاداً إلى عدم جواز استخدامه، ويمكنني الإشارة هنا إلى نموذجين من إجراءات ما بعد التلوث:
الأول ـ اجتناب استخدام الماء المتلوّث:
تتأكد هنا ضرورة اجتناب الماء المتلوّث بشيء من النجاسات، وقد ورد في هذا الشأن جملة من الروايات، إليك بعضها:
1ـ صحيحة البزنطي قال: «سألت أبا الحسن7 عن الرجل يُدخِلُ يده في الإناء وهي قذرة. قال: «يكفئ الإناء»»(70).
2ـ موثقة سماعة، عن أبي عبدالله7 قال: «إذا أصاب الرجل جنابة، فأدخل يده في الإناء، فلا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء من المني»(71).
3ـ رواية أبي بصير، عن أبي عبدالله7 قال: «سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور (إناء صغير) فيدخل إصبعه فيه؟ فقال: «إن كانت يده قذرةً أهرقه، وإن كان لم يصبها فليغتسل منه...»»(72).
4ـ صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر7 قال: «وسألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: «يُغسل سبع مرات»»(73).
5ـ صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله7 قال: «سألته عن الكلب يشرب من الإناء. قال: «اغسل الإناء»»(74).
6ـ موثقة عمار الساباطي قال: «سألت أبا عبدالله عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيرهما. قال7: «يهريقهما جميعاً ويتيمم»»(75).
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المجال، والتي تدلل على اهتمام الإسلام بصحة الإنسان، وضرورة تجنبه استخدام المياه الملوثة، الأمر الذي سوف يسهم في بقاء المياه بعيدةً عن كلِّ أشكال التلوث.
الإجراء الثاني ـ نزح البئر عند تنجّسها:
والنّموذج الثاني لإجراءات ما بعد التلوث: هو ما ورد في الروايات بشأن نزح ماء البئر بكميات محددة في حال تلوثه بشيء من القذارات والنجاسات، وسواء حملنا الأمر بالنزح على الوجوب، كما هو المشهور لدى قدماء فقهائنا، أو على الاستحباب، كما هو المشهور بعد العلّامة الحلي;، فإنّ ذلك يبرهن على مدى عناية الإسلام ببقاء المياه الجوفية بعيدةً عن كلِّ أشكال التلوث، ولا بأس بأن نذكر بعض الأحاديث الآمرة بالنزح:
1ـ صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله7: «في البئر يبول فيها الصبي، أو يُصبُّ فيها بول، أو خمر. فقال: «ينزح الماء كله»»(76).
2ـ خبر زرارة، قال: قلت لأبي عبدالله7: «بئر قطرت فيه قطرة دم أو خمر؟ قال: «الدم والخمر والميت ولحم الخنزير في ذلك كله واحد، ينزح منه عشرون دلواً، فإنْ غلب الريح نزحه حتى يطيب»»(77).
3ـ رواية الحلبي، عن أبي عبدالله7: «وإن مات فيها بعير أو صُبَّ فيها خمر، فلتنزح»(78).
4ـ موثقة سماعة، قال: «سألت أبا عبدالله7 عن الفأرة تقع في البئر، أو الطير. قال: إنْ أدركته قبل أن ينتن، نزحت منها سبع دلاء، وإن كانت سنوراً أو أكبر منه، نزحت منها ثلاثين دلواً أو أربعين دلواً، وإنْ أنتن حتى يوجد ريح النتن في الماء، نزحت البئر حتى يذهب النتن من الماء»(79).
إنّ هذه الأحكام والتعاليم لا بدّ من أن تؤسس لوعيٍ بيئيٍّ، وأن تساهم في بناء ثقافةٍ بيئيةٍ تحرص على الاهتمام بالصحة والنظافة والجمال، وتهتم بحماية البيئة من كل الملوثات، لا أن تؤسس لذهنية الوسوسة التي ابتلي بها الكثير من المؤمنين، بما عقّد حياتهم وأوضاعهم.
إلى ذلك، فإنّ ثمة تعاليم أُخر ترتبط بعنصر المياه، منها:
1ـ النهي عن الإسراف في استعمال المياه: وقد تقدمت النصوص الدالة على ذلك.
2ـ الماء والراحة النفسية: وقد مرَّ الحديث عنه عند الكلام في الوظيفة الجمالية.
3ـ حفظ المشاريع والطرق المؤدية إلى العيون والأنهار والبحار من القذارات.
4ـ النهي عن احتكار الماء(80).
5ـ النهي عن بيع الماء(81).
الهوامش
المصادر والمراجع
- الأراضي: الفياض محمد إسحاق (معاصر)، طبعة 1981م.
- اقتصادنا: السيد محمدباقر بن حيدر الصدر (ت1980م)، طبعة دار التعارف ـ بيروت.
- الأمالي: المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري (ت413هـ)، تحقيق: حسين اُستاد ولي، علي أكبر الغفاري، ط. الثانية، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت، 1414هـ/ 1993م، طبع بموافقة اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
- بحار الأنوار: المجلسي محمدباقر بن محمدتقي (ت1111هـ)، ط. الثانية، مؤسسة الوفاء ـ بيروت، 1403هـ/ 1983م.
- بحوث في شرح العروة الوثقى: الصدر الشهيد السيد محمدباقر بن حيدر (ت1980م)، تحقيق وتخريج: السيد محمود الهاشمي، ط. الثانية، الناشر: مجمع الشهيد آية الله الصدر العلمي ـ قم، 1408هـ.
- البيئة: نزار دندش، ط. الأُولى، دار الخيال ـ بيروت، 2005م.
- التلوث والبيئة محلياً وعالمياً: الدكتور محمد نبيل الطويل، دار النفائس ـ بيروت، 1999م.
- تهذيب الأحكام في شرح المقنعة: الطوسي محمد بن الحسن (ت460هـ)، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، ط. الثالثة، الناشر: دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
- الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي عبدالرحمن بن أبي بكر (ت911هـ)، ط. الأُولى 1401هـ/1981م، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت.
- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: النجفي محمدحسن بن باقر (ت1266هـ)، تحقيق وتعليق: الشيخ عباس القوچاني، ط. الثانية، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
- ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي (ت786هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، ط. الأُولى، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، 1419هـ.
- سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني (ت273هـ)، تحقيق وترقيم وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
- شرح العروة الوثقى (الطهارة): تقرير بحث السيد الخوئي للشيخ علي الغروي، ط. الثانية، الناشر: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره) ـ قم، 1426هـ/ 2005م.
- علل الشرائع: الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمي (ت381هـ)، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف، 1385هـ/ 1966م.
- فقه الصادق: الروحاني السيد محمدصادق الحسيني (ت2022هـ)، (مدرسة الإمام الصادق7)، ط. الثالثة، الناشر: مؤسسة دار الكتاب ـ قم، 1412هـ.
- الكافي: الكليني محمد بن يعقوب الرازي (ت329هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط. الخامسة، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
- مختلف الشيعة في أحكام الشريعة: العلّامة الحلي الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي (ت726هـ)، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي، ط. الأُولى، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم، 1412هـ.
- مستند الشيعة في أحكام الشريعة: النراقي المولى أحمد بن محمدمهدي (ت1244هـ)، ط. الأُولى، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ مشهد المقدسة، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، 1415هـ.
- مصباح المنهاج (الطهارة): السيد محمدسعيد بن محمدعلي الحكيم (ت2021م)، ط. الأُولى، الناشر: مكتب سماحة آية الله العظمى السيد الحكيم، 1417هـ/ 1996م.
- المصنف في الأحاديث والآثار: ابن أبي شيبة أبو بكر عبدالله بن محمد الكوفي (ت235هـ)، تحقيق وتعليق: سعيد اللحام، ط. الأُولى، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت، 1409هـ/ 1989م.
- من لا يحضره الفقيه: الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمي (ت381هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط. الثانية، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم.
- نصب الراية تخريج أحاديث الهداية: الزيلعي جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي (ت762هـ)، اعتنی به: أيمن صالح شعبان، ط الأولی، الناشر: دار الحديث ـ القاهرة، 1415هـ/1995م.
وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: الحر العاملي محمد بن الحسن (ت1104هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، ط. الثانية، الناشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ـ قم، 1414هـ.
الهوامش
- (*) أُستاذ دروس السطوح العالية في الحوزة العلمية ـ لبنان. ↩
- () التلوث والبيئة محلياً وعالمياً، ص 105. ↩
- () سورة الأنبياء: 30. ↩
- () سورة النور، الآية 45. ↩
- () سورة الروم، الآية 24. ونحوها ما في سورة البقرة، الآية 164. ↩
- () سورة النحل، الآية 10ـ 11. وانظر: سورة السجدة، الآية 27. وسورة الزمر، الآية 21. وسورة النبأ، الآية 15. ↩
- () سورة الفرقان، الآية 48. ↩
- () سورة الأنفال، الآية 11. ↩
- () سورة المائدة، الآية 6. ↩
- () اشتهرت نسبة هذا النص إلى النبيّ9 على ألسن العام والخاص، وأرسله البعض إرسال المسلمات، وتمّ الاستناد إليه في بعض المصادر الفقهية. (راجع: بحوث في شرح العروة الوثقى للشهيد الصدر، ج 1، ص 98. وكتاب الطهارة، تقريراً لبحوث السيد الخوئي، ج 1، ص 46، و ج 3، ص 514.) لكن فيما يبدو، فإنه من المشهورات التي لا أصل لها؛ لأننا ـ رغم التتبع ـ لم نعثر على ما يؤكد انتسابه إلى النبيّ9 في مصادر الفريقين الحديثية وغيرها، وقد نقله مقرر بحث السيد الخوئي في هامش الكتاب عن (نهج الفصاحة) للشوشتري، وهو مقارب لعصرنا ولم نعلم مستنده، فلعله اعتمد على شهرة الحديث على الألسن، والله العالم. ↩
- () الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي، ج1، ص516، ح3369.ط. الأُولى 1401 هـ/1981 م، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت. ↩
- () سورة الأنعام، الآية 99. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 5، ص 340، باب 27 من أبواب أحكام المساكن، الحديث 3. ↩
- () سورة المؤمنون، الآية 18. ↩
- () سورة الروم، الآية 41. ↩
- () التلوث والبيئة محلياً وعالمياً، ص 107. ↩
- () راجع كتاب: البيئة، ص 142 ـ 143. ↩
- () راجع: كتاب البيئة، ص 147. التلوث والبيئة محلياً وعالمياً، ص 109 ـ 110. ↩
- () الأراضي للفياض، ص 384. ↩
- () المصنف في الأحاديث والآثار، ج5، ص391. سنن ابن ماجه، ج 2، ص 826، ح2472 وأخرجاه بلفظ: المسلمون شركاء ↩
- () اختلف في تحديد المراد بالنار في الحديث، فالسيد الخوئي; أفاد أنّ المراد بها: «إمّا أصلها، وهو الحطب، فتكون الرواية دالة على كراهة المنع عن فضل الحطب أيضاً، أي كدلالتها على كرهة منع فضل الماء، أو تبقى على ظاهرها، فيحكم بكراهة المنع عن فضل النار نفسها» (الطهارة، ج 4، ص 384). والاحتمال الثاني المذكور، اختاره الكاشاني;، حيث قال في شرح الحديث: «وليس لمسلم أن يمنع أخاه ماء الوادي، ولا لكلأ البوادي، ولا اقتباس النار». ويلاحظ أنه حمل النهي على ظاهره في الحرمة، ووافقه الشهيد الصدر على حمل النهي على المنع، لكنه أفاد أنّ المراد به المنع السلطاني لا المولوي. (اقتصادنا، ص 690). ↩
- () وسائل الشيعة، ج 25، ص 417، الباب 5 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1، وفي سنده محمد بن سنان. ↩
- () الأراضي، ص 384. ↩
- () اقتصادنا، ص 433. ↩
- () انظر: نصب الراية تخريج أحاديث الهداية، ج6، ص213و214. ↩
- () الأراضي، ص 384. ↩
- () راجع: جواهر الكلام، ج 38، ص 116. ↩
- () اقتصادنا، ص 521. ↩
- () راجع: الملحق 8 من ملحقات كتاب اقتصادنا. ↩
- () اقتصادنا، ص 521، طبعة دار التعارف ـ بيروت. ↩
- () تهذيب الأحكام، الطوسي، ج7، ص140، باب بيع الماء، الحديث3. وانظر: الكافي، ج 5، ص 277. ↩
- () الأراضي، ص 383. ↩
- () يُرجّح الفقيه النجفي الشيخ صاحب الجواهر أسباب نضوب الماء واحتباس المطر إلى: «واعلم أنّ السبب الأصلي والباعث الكلي في عوز الأنهار واحتباس الأمطار وظهور الغلاء والجدب وسائر علامات الغضب، شيوع المعصية وكفران النعمة والتمادي في البغي والعدوان ومنع الحقوق والتطفيف في المكيال والميزان والظلم والغدر وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونقص المكيال والميزان ومنع الزكاة والحكم بغير ما أنزل الله ونحو ذلك من المعاصي التي تخرق الأستار وتغضب الجبار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد، الآية 11)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 94)، وقال عزّ وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل، الآية 113)، وقال عزّ اسمه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة الروم، الآية 41)، وقال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ (سورة الجن، الآية 16)». (راجع: جواهر الكلام، ج 12، ص127 ـ 128). ↩
- () بحار الأنوار، ج 57، ص 45. ↩
- () سورة الأعراف، الآية 31. ↩
- () سورة الإسراء، الآية 26ـ27. ↩
- () راجع: وسائل الشيعة، ج 15، ص 329، الباب 46 من جهاد النفس، الأحاديث: 33 ـ 36. ↩
- () المصدر نفسه، ج 21، ص 511، الباب 52، من أبواب النفقات، الحديث 2. ↩
- () راجع المصدر نفسه: ج 5، ص 51، الباب 28 من أبواب أحكام الملابس، الأحاديث 1ـ2ـ4ـ7. ↩
- () المصدر نفسه، ج 1، ص 340، الباب 52 من أبواب الوضوء، الحديث 2. ↩
- () سنن ابن ماجه، ج 1، ص 146. ↩
- () من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 185. الخصال، ص 323. ↩
- () الكافي، ج 4، ص 57، الحديث 1. وسائل الشيعة، ج 9، ص 472، الحديث 12522. ↩
- () الكافي، ج 4، ص 57. ↩
- () المصدر السابق نفسه. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 17، ص 42، الباب 10 من أبواب مقدمات التجارة، الحديث 4. ↩
- () الكافي، ج 4، ص 58. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 1، ص 340، الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 6. ↩
- () المصدر نفسه، الحديث 5. ↩
- () المصدر نفسه، الحديث 3. ↩
- () سنن ابن ماجه، ج 1، ص 124، راجع الأحاديث: 343ـ 344ـ 345. ↩
- () راجع: وسائل الشيعة، ج 1، ص 340، الباب 24، من أبواب أحكام الخلوة. وراجع: مصنف ابن أبي شيبة، ج 1، ص 166 الباب 172. ↩
- () من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 111، الحديث 226. ↩
- () مستند الشيعة، ج 1، ص 398. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 1، ص 341، الباب 24 من أبواب أحكام الخلوة، الأحاديث 2ـ 3ـ 4ـ 5. ↩
- () المصدر نفسه، ج 1، ص 143، الباب 5 من كتاب الطهارة، الحديث 1. ↩
- () المصدر السابق نفسه، الحديث 3ـ 4. ↩
- () شرح العروة الوثقى (الطهارة)، ج 4، ص 421. وراجع: مستند الشيعة، ج 1، ص 399. ↩
- () يعني: المفيد في المقنعة، والطوسي في النهاية. ↩
- () مستند الشيعة، النراقي، ج 1 ص 399. ↩
- () ذكرى الشيعة، ج 1، ص 165. ↩
- () مصباح المنهاج، ج 2، ص 145. ↩
- () أمالي المفيد، ص190. ونحوه ما رواه الصدوق في علل الشرائع، ج 2، ص 582. ↩
- () سنن ابن ماجه، ج 2، ص 1129، وحديث جابر هذا مروي بسبعة طرق تنتهي إلى الصحابي جابر أكثرها صحيح. راجع: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للشيخ الألباني. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 1، ص 197، الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1. ↩
- () المصدر السابق نفسه، ص 200، الباب 24 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6. ↩
- () مختلف الشيعة، ج 1، ص 247. ↩
- () الكافي، ج 5، ص28. ↩
- () تهذيب الأحكام، ج 6، ص 143. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 1، ص 153، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 7. ↩
- () المصدر السابق نفسه، الحديث 9. ↩
- () تهذيب الأحكام، ج 1، ص 329. ↩
- () وسائل الشيعة، ج 1، ص 225، الباب 1، من أبواب الأسآر، الحديث 2. ↩
- () المصدر السابق نفسه، الحديث 3. ↩
- () المصدر نفسه، ص 155، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 14. ↩
- () المصدر نفسه، ص 180، الباب 15 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4. ↩
- () المصدر نفسه، ص 179، الحديث 3. ↩
- () المصدر نفسه، ص 180، الحديث 6. ↩
- () المصدر نفسه، ص 183، الباب 17 من أبواب الماء المطلق، الحديث 4. ↩
- () راجع بشأن ذلك: اقتصادنا، ص 497. ↩
- () راجع: فقه الصادق، ج 19، ص 469. ↩