2026/09/19 | دورية علمية محكّمة في الفقه المقارن
| العربية | عن المجلة
الرئيسيةالعدد 10-11قراءة البحث
أخرى

موت الماء

العدد 10-11
العودة إلى العدد
حجم النص
مجلة الفقه المقارنالعدد 10-11
أخرى

موت الماء

تتناول هذه الدراسة مفهوم (موت الماء) بوصفه إحدى أخطر الأزمات البيئيّة في عالمنا المعاصر، في محاولة تأصيله ضمن الإطار الفقهي الإسلامي. ورغم أنّ المصطلح لم يرد في التراث الفقهي القديم، إلّا أنّ الشريعة تضمّ في جوهرها أًصولاً وقواعد قادرة على معالجة أبعاده المختلفة. يعرّف البحث (موت الماء) بأنّه اندثار وجوده أو فقدان وظائفه أو غياب عدالته، ويتجلّى ذلك في ثلاثة أنماط رئيسة:
ـ الموت الوظيفي (كالتلوّث والشحّ).
ـ والموت الوجودي (كالجفاف واستنزاف المخزون).
ـ والموت الاجتماعي (كالاحتكار وسوء التوزيع).
كما يناقش الأبعاد البيئيّة والتمدّنيّة والأمنيّة ـ الجيوسياسيّة والاقتصاديّة والنسليّة لعبور هذه الظاهرة. ثمّ يبرهن البحث، اعتماداً على قاعدة «لا ضرر»، أنّ كلّ فعلٍ يؤدّي إلى موت الماء ـ سواء على يد الأفراد أو الدول ـ محرَّمٌ ومناقض للعدالة الإلهيّة. وبذلك يؤكّد المقال أنّ (موت الماء) ليس مجرّد أزمة طبيعيّة، بل هو قضيّة فقهيّة وحقوقيّة ووجوديّة تمسّ معنى الخلافة الإنسانيّة والأمانة الإلهيّة.
ويتصدّر المقال الإجابة عن هذا السؤال: هل يجوز شرعاً أن تُرتكب أفعالٌ فردية أو جماعية، مباشرة أو تراكمية، تنتهي إلى موت الماء وجوداً أو وظيفةً؟ والجواب أنّ قاعدة «لا ضرر» بما تحمل من أُفقٍ كونيّ، لا تقتصر على ضررٍ فرديٍّ ضيّق، بل تمتدّ لتشمل الأضرار البيئية المركّبة التي تتعاظم عبر الزمن وتفتك بجماعاتٍ وأجيال.
كما يتناول المقال حكم الممارسات المنتهية إلى الموت الاجتماعي للماء، مبيناً أنه يتجلّى في ظلمِ السياسة وطيش الاستهلاك، فيُحجب الموردُ بالاحتكار، أو يُهدر بالإسراف، فيُسلب العدل وتُظلم به الجماعات. وقد قال رسول الله9: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلاء»( )، كما أكّد القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾( )، فكلّ سياسةٍ أو ثقافةٍ تنتهي إلى حرمان الآخرين من حقّهم في الماء محرّمةٌ قطعاً. ومن هنا، فمسؤوليةُ الدولة في منع الاحتكار، كمسؤولية المجتمع في ترشيد الاستهلاك، كلاهما ركنٌ في صيانة العدالة المائية وحماية الحياة.

الشيخ أحمد مبلغي(1*)

الملخّص

تتناول هذه الدراسة مفهوم (موت الماء) بوصفه إحدى أخطر الأزمات البيئيّة في عالمنا المعاصر، في محاولة تأصيله ضمن الإطار الفقهي الإسلامي. ورغم أنّ المصطلح لم يرد في التراث الفقهي القديم، إلّا أنّ الشريعة تضمّ في جوهرها أًصولاً وقواعد قادرة على معالجة أبعاده المختلفة. يعرّف البحث (موت الماء) بأنّه اندثار وجوده أو فقدان وظائفه أو غياب عدالته، ويتجلّى ذلك في ثلاثة أنماط رئيسة:

ـ الموت الوظيفي (كالتلوّث والشحّ).

ـ والموت الوجودي (كالجفاف واستنزاف المخزون).

ـ والموت الاجتماعي (كالاحتكار وسوء التوزيع).

كما يناقش الأبعاد البيئيّة والتمدّنيّة والأمنيّة ـ الجيوسياسيّة والاقتصاديّة والنسليّة لعبور هذه الظاهرة. ثمّ يبرهن البحث، اعتماداً على قاعدة «لا ضرر»، أنّ كلّ فعلٍ يؤدّي إلى موت الماء ـ سواء على يد الأفراد أو الدول ـ محرَّمٌ ومناقض للعدالة الإلهيّة. وبذلك يؤكّد المقال أنّ (موت الماء) ليس مجرّد أزمة طبيعيّة، بل هو قضيّة فقهيّة وحقوقيّة ووجوديّة تمسّ معنى الخلافة الإنسانيّة والأمانة الإلهيّة.

ويتصدّر المقال الإجابة عن هذا السؤال: هل يجوز شرعاً أن تُرتكب أفعالٌ فردية أو جماعية، مباشرة أو تراكمية، تنتهي إلى موت الماء وجوداً أو وظيفةً؟ والجواب أنّ قاعدة «لا ضرر» بما تحمل من أُفقٍ كونيّ، لا تقتصر على ضررٍ فرديٍّ ضيّق، بل تمتدّ لتشمل الأضرار البيئية المركّبة التي تتعاظم عبر الزمن وتفتك بجماعاتٍ وأجيال.

كما يتناول المقال حكم الممارسات المنتهية إلى الموت الاجتماعي للماء، مبيناً أنه يتجلّى في ظلمِ السياسة وطيش الاستهلاك، فيُحجب الموردُ بالاحتكار، أو يُهدر بالإسراف، فيُسلب العدل وتُظلم به الجماعات. وقد قال رسول الله9: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والنار، والكلاء»(2)، كما أكّد القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾(3)، فكلّ سياسةٍ أو ثقافةٍ تنتهي إلى حرمان الآخرين من حقّهم في الماء محرّمةٌ قطعاً. ومن هنا، فمسؤوليةُ الدولة في منع الاحتكار، كمسؤولية المجتمع في ترشيد الاستهلاك، كلاهما ركنٌ في صيانة العدالة المائية وحماية الحياة.

الكلمات المفتاحية: موت الماء، الفقه البيئي، العدالة المائية، الأبعاد الاجتماعية والجيوسياسية، الاستدامةالبيئية، الحوكمة المائية، الاحتكار المائي.

المقدمة

لقد شهدت الدراسات الفقهيّة الحديثة اتساعًا ملحوظًا فيما اصطلح عليه بـ (فقه البيئة) أو (الفقه البيئي)، حيث تناول الباحثون قضايا التلوّث، والتغيّر المناخي، وحماية الموارد الطبيعيّة، وسائر مظاهر الخطر المحدق بالكون والإنسان. غير أنّ مصطلح (موت الماء) لم يُبحَث بعدُ بوصفه مدخلاً مستقلاً، إذ لم يرد له ذكرٌ يُعرَف في المدوّنات الفقهيّة التقليديّة. ومع ذلك فإنّ هذا اللفظ يختزن في طيّاته أبعادًا متشابكة: فهو تهديدٌ لحقّ الحياة، وإضرارٌ بأمن الغذاء، وإهدارٌ لحقوق الأجيال في ميراث الاستدامة والبقاء.

ومن هنا تبرز الضرورة الملحّة لتأصيلٍ فقهيٍّ وقانونيٍّ لهذا المفهوم، يُدرجه في دائرة الأحكام التكليفيّة والوضعيّة معًا؛ إذ لا يمكن قبول أن يبقى الماء ـ وهو سرّ الوجود وعصب الحياة ـ خارجًا عن سياج الشريعة ولا بمنأى عن خطاب التشريع.

وعليه، فإنّ البحث في (موت الماء)، هو مبحث علميّ ناشئ، يتقاطع مع علوم البيئة والاقتصاد والاجتماع، ويستلزم وضع إطارٍ مفهوميٍّ محكم يربط بين المعطيات التجريبيّة من جهة، والرؤية الفقهيّة من جهة أُخرى. فالفقه وإن لم يصرّح بهذا المصطلح، فإنّه يملك في أعماقه مبادئ راسخة في حفظ النفس، وصيانة النسل، وحماية المال، وهذه المبادئ هي من رحم الشريعة الممتدّة التي تتسع للمستجدّات وتستوعب الطوارئ.

بل إنّ الشريعة ـ في منطقها الداخليّ ـ تحملُ روحًا حيّةً نابضةً تدافع عن البيئة دفاعًا صارمًا، وتُعيد للمنظومة البيئيّة توازنها، وتمنح الفقهَ قدرةً على كشف الأسرار وتوجيه المبادئ؛ فالماء في ضوء هذا المنطق ليس مجرّد مادّة، بل هو حقٌّ مقدّس، وقيمةٌ مصونة، وذمّةٌ شرعيّة ينبغي رعايتها.

هيكلة البحث

ولتحقيق هذا المقصد، نضع البحث في محورين رئيسين:

  • موضوع الحكم
  • حكم الموضوع

المحور الأول: موضوع الحكم

ويشمل ثلاث نقاط أساسيّة:

1ـ التعريف بالموضوع.

2ـ بيان أهميّة الموضوع.

3ـ تحديد أقسام الموضوع.

أولاً: التعريف بالموضوع

موت الماء هو فقدانُه لوظيفته أو وجوده أو عدالته؛ فإمّا أن يبقى جسمه ماديًا وتزول منفعته، وإمّا أن تنقطع دورته الطبيعيّة وتنهار طبيعته، وإمّا أن يُحجب عن أهله وتُسلب عدالته في التوزيع والاستخدام.

وبعبارة أُخرى، هو الحالة التي يصبح فيها الماء غير قادر على أداء وظائفه الحيوية، أو يختلّ نظامه البيئي والاجتماعي، أو تُسلب العدالة في انتفاع الناس به.

ثانياً: أهميّة الموضوع

إنّ (موت الماء) ليس انحسارًا في قطراته، ولا نقصانًا في مجاريه، بل هو فناؤه في أبعاد ثمانية:

  • بُعدٌ كونيّ وبيئيّ

إنّ (موت الماء) عنوانٌ يجسّدُ حقيقةً كونيّةً قاسيةً راهنة، ويكشفُ عن أزمةٍ بيئيّةٍ مستفحلة، تهدّدُ التوازن الطبيعيّ، وتقوّض الأمن الغذائيّ، وتضعفُ الصحةَ والشفاء، وتبيدُ الحقَّ في الارتواء. وهو حقيقةٌ علميّة صارمة، تفرضُ على الفقه أن يستنفر أدواته، وعلى التشريع أن يرفع صوته؛ ليكون الماءُ في صميم الأحكام، وفي قلب الاهتمام.

  • بُعدٌ حضاريّ وثقافيّ

موتُ الماء موتٌ للذاكرة الحضاريّة، وانطفاءٌ للشعلة الثقافيّة؛ فالمجتمعاتُ نمت على ضفاف الأنهار، والمدنيّاتُ قامت على مواردها، فإذا مات الماءُ ماتت الحضارة، وإذا انقطع الغيثُ انقطع التراث. هو ليس خطرًا على الطبيعة فحسب، بل هو انقراضٌ للهوية وضياعٌ للذاكرة الجماعيّة.

  • بُعدٌ أمنيّ وجيوسياسيّ

إنّه قضيّةٌ أمنيّةٌ وجيوسياسيّة، يُشعلُ النزاعات بين الأقاليم، ويحرّكُ الهجرات بين الأجيال، ويُغيّر خرائط الشعوب والدُّوَل، ويُهدّد السِّلم ويقوّض الاستقرار. فالماء لم يعُد موردًا طبيعيًّا فحسب، بل صار ورقةً استراتيجيّةً تتغيّر بها موازين القوى، وتُرسم بها خرائط المصالح.

  • بُعدٌ اقتصاديّ ومعيشيّ

وهو كذلك مأزقٌ اقتصاديّ ومعيشيّ؛ يُفني الزراعة والصناعة، ويُنمي البطالة والفاقة، ويُثقِل كاهل الدول بالنفقات، ويُفقد المجتمعات توازنها في الثروات. فحياة الاقتصاد رهينة الماء، وإذا مات المورد تعطّلت الموارد.

  • بعد طهوري ونقائي
  1. الماءُ ليس مادّةً تُروى بها الأجساد فحسب، بل هو قاعدةُ الطهارة ومفتاحُ القداسة. جعلته النصوصُ أصلَ التزكية، ورمزَ الحياة، ومدخلَ العبادة. به يُطهَّر الثوبُ والبدن، وبه تُصفّى النفسُ والروح.
  2. وتميّزُ الإنسان عن الحيوان إنّما يتجلّى في نزوعه إلى الطهارة؛ فالحيوان يكتفي بما يُبقيه حيًّا، أمّا الإنسان فمفتقرٌ إلى نظافةٍ تحفظ ظاهرَه، وطهارةٍ تُزكّي باطنَه. فالطهارة على نوعين:

ـ طهارةٌ ظاهريّة تصون البدن والبيئة والمحيط.

  1. ـ وطهارةٌ باطنيّة تزكّي القلب والسريرة وتطهّر الضمير.
  2. وبين الطهارتين نسبٌ وثيقٌ ورابطةٌ متينة؛ فلا كمالَ للباطن من غير إشراق الظاهر، ولا صدقَ للنقاء الداخلي من دون انعكاسٍ على الجسد والسلوك.
  3. والماء هو القناة الرابطة بين الطهارتين، والبابُ الموصل من الجسد إلى الروح، ومن النظافة إلى القداسة. فإذا مات الماء، انقطعت سُبُل الطهارة، وضاعت القداسةُ من الأرض، وتهاوت أمانةُ الإنسان في حفظ نفسه وبيئته، وانكسرت عُرى العلاقة بين الخليفة والأمانة، وبين الخلق والخالق.
  • بُعدٌ فلسفيّ ومعرفيّ

إنّ (موت الماء) سؤالٌ فلسفيّ ومعرفيّ: إذا مات الماء، فبأيِّ معنى تبقى الحياة؟ وإذا جفّ الينبوع، فبأيِّ حقٍّ يدّعي الإنسان الوصاية؟ هل نحنُ مالكون أم مؤتمنون؟ هل الأرضُ مُلكٌ مُستباح أم أمانةٌ لله تُرعى وتُصان؟

  • بُعدٌ نسليّ ومستقبليّ

(موت الماء)، ليس قضيّة الحاضر وحده، بل هو فاجعةُ المستقبل أيضًا؛ إذْ يُهدِّدُ حقوق الأجيال القادمة في الحياة الكريمة، ويُفني ميراثهم الطبيعيّ، ويترك لهم أرضًا يابسة بدلًا من جَنّةٍ غنّاء. إنّ التفريط في الماء ظلمٌ للأحفاد، وخيانةٌ للذريّة، وقطعٌ لشريان الوصل بين الماضي والمستقبل.

  • بُعدٌ خليفة اللهيّ

الماءُ أمانةٌ إلهيّة في يد الإنسان، والخليفةُ في الأرض مؤتمنٌ لا مالك، مسؤولٌ لا متصرّفٌ بإطلاق. فإذا خان الأمانةَ وأهدر الماء، خان عهدَ الخلافة ونقض ميثاق الاستخلاف، وأفسد العلاقة بينه وبين ربّه. إنّ (موت الماء) بهذا المعنى ليس مجرّد كارثة طبيعيّة، بل هو سقوطٌ في امتحان الخلافة، وانكسارٌ في ميزان الأمانة.

من هنا، كان طرحُ (موت الماء) ضرورةً علميّة، وفريضةً شرعيّة، ومطالبةً حضاريّة؛ يفتح للفقه بابًا جديدًا، وللحقوق إطارًا متينًا، وللإنسانيّة وعيًا رصينًا. إنّه نداءٌ إلى العلماء والفقهاء، إلى الحكماء والقادة، أن يعيدوا النظر في علاقتنا بالماء؛ فهو أصلُ الحياة، وبدونه لا بقاء، وهو ميراثُ الأجيال، وبدونه لا استقرار، وهو عهدُ الخلافة، وبدونه لا قيام للإنسان ولا عمران للأرض.

ثالثا: تحديد أقسام الموضوع

تنحصر مظاهر هذا الموت في ثلاثة أبعاد كبرى:

الموت الوظيفيّ:

وهو أن يفقد الماء جودته الحيويّة، فيغدو حاضرًا في الصورة غائبًا في الأثر، ومن أبرز مصاديقه:

أ. التلوّث الكيماويّ والصناعيّ.

ب. الإثراء الغذائيّ.

ج ـ تفاقم الملوحة والقلويّة.

الموت الوجوديّ

وهو انقطاع الدورة الطبيعيّة للماء وانهيار مواردِه المادّية، بحيث يتلاشى أصلُه ويجفُّ منبعه، ومن أمثلته:

أ. استنزاف المياه الجوفيّة.

ب. جفاف الأنهار.

ج. اندثار المستنقعات والأهوار.

الموت الاجتماعيّ

وهو أفدح الوجوه، إذ لا يرتبط بفقدان الماء كجوهرٍ مادّيّ أو كفاءةٍ بيئيّة، بل بانقطاعه عن أهله وزوال العدالة في توزيعه. ومن مظاهره:

أ. الاحتكار والاستئثار بالموارد المشتركة.

ب. سوء الحوكمة المائيّة.

ج. الإقصاء المجتمعيّ عن حقّ الانتفاع.

وعلى هذا، فإنّ الحديث عن (موت الماء) إنما هو حديث عن زوال أحد الأبعاد الثلاثة: جودةٍ، وكميّةٍ، وعدالةٍ. وكلُّ بُعدٍ منها يطوي في أعماقه تفاصيل علميّة واجتماعيّة بالغة التعقيد، تحتاج إلى تحليلٍ دقيقٍ وتأصيلٍ راسخ، لتُدرَك حقيقةُ ما يُهدّد هذا العنصر الجوهريّ من مقوّمات الحياة والعمران.

وعلى هذا الأساس، فالمثولُ إلى (موت الماء) لا يقتصر على لفظٍ مجرَّد، بل هو اشارةٌ إلى زوال أو تآزر أحدِ أبعادٍ ثلاثة: الجودة، والكمّيّة، والعدالة. وكلُّ بُعدٍ من هذه الأبعاد يختزن في أعماقه شبكةً من المسائل العلمية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية ذات التعقيد، وتحتاج إلى تحليلٍ منهجيٍّ وتأصيلٍ فقهي ـ مؤسَّسي دقيق كي تُدرك حقيقةُ الخطرِ الذي يُهدّد هذا الركن الحيويّ من مقوّماتِ الحياةِ والعمران.

وإليك هذه الأقسام الثلاثة بتفاصيل علمية وافية:

الأول: الموت الوظيفيّ

يتجلّى هذا النمط حين يظلّ الماء قائمًا في صورته الفيزيائيّة والكيميائيّة، غير أنّه يفقد القدرة على أداء وظائفه الحيويّة، فينقلب حاضرًا في الجسد غائبًا في الأثر. تتدهور جودته إلى درجةٍ لا يعود معها صالحًا للشرب، ولا للزراعة، ولا حتى لأبسط الاستخدامات الصناعيّة. وتدهور جودة الماء يشمل ملوحة المصادر وتلوُّثها بمخلّفاتٍ صناعيّة وزراعيّة وميكروبيولوجية، وتدهور خصائصها الحيويّة والكيميائية بحيث تفقد صلاحيتَها للاستهلاك أو للزراعة أو للعبادة (الطهارة). هذه القضايا تتطلّب بياناتٍ علميّةٍ دقيقةً وآليات رقابةٍ وتشريعٍ تصنيفِيّاً.

وتتجلّى مظاهره في صور ثلاث:

أ) التلوّث الكيميائيّ

يُعدّ هذا اللون من التلوّث من أكثر أنواع أسباب الموت الوظيفيّ للماء وأخطرها شيوعاً. فحين تتسرّب الموادّ الكيماويّة السامّة إلى الأنهار والبحيرات والمياه الجوفيّة، يتحوّل الماء من مصدر حياة إلى وعاء سموم. إنّ تسرب المعادن الثقيلة ـ كالزئبق والرصاص والكادميوم ـ من مخلفات المصانع يلوّث السلسلة الغذائيّة، ويقوّض النظم البيئيّة المائية، ثم يمتدّ أثره إلى الإنسان(4). وكذلك المبيدات الحشريّة ومبيدات الأعشاب التي تجرفها الأمطار من الحقول إلى المجاري المائيّة، قادرة على إحداث اضطرابات عصبيّة وكوارث صحيّة(5). بل إنّ الأدوية البشريّة ومنتجات العناية الشخصيّة حين تشقّ طريقها إلى المياه تصير (ملوِّثات ناشئة) غامضة العواقب(6). ومحصّلة هذه السموم: تراجع الأُوكسجين المذاب الضروريّ لتنفس الكائنات، تغيّر درجة الحموضة (pH)، ثم انحسار التنوّع البيولوجيّ حتى يذوي.

ب) التلوّث الغذائيّ

ويقصد به اختلاط الماء بالموادّ الزراعيّة والغذائيّة. ومن أبرزها المبيدات التي تُرشّ على المزروعات لمكافحة الآفات، والسموم التي تنجم عن تراكم هذه المواد أو تحلّلها. خطورة هذا التلوّث أنّ مواده لا تتحلّل سريعًا في الماء، فتسري عبره إلى النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان. والنتيجة: اختلال التوازن البيولوجيّ، تهديد مباشر لصحة الإنسان، وإضعاف القيمة الحيويّة للمورد المائيّ(7).

ج) ارتفاع الملوحة

وهو زيادة تركيز الأملاح الذائبة ـ كالكلوريدات والكبريتات وأملاح الصوديوم ـ إمّا بسبب التغيّرات المناخيّة (كالجفاف وكثرة التبخّر)، أو بفعل الإفراط في الريّ الذي يراكم الأملاح في التربة والخزانات الجوفيّة. آثاره شديدة الوطأة: يجعل الماء غير صالحٍ للشرب، ينهك التربة، يخفض الإنتاج الزراعيّ، بل ويؤدي إلى هلاك الكائنات المائيّة الحسّاسة للملوحة العالية(8).

القسم الثاني: الموت الوجوديّ

يشير هذا النمط إلى الفناء الفيزيائي للماء وجفاف موارده. فهو ليس مجرد تدني جودة أو اختلال وظيفة، بل انقطاع في أصله وتلاشيه من الوجود؛ إذ لم يبق ماء لتتدهور جودته؛ لأنه قد تلاشى كلياً. ويتصل هذا البعد بنسب التجدد المائي، ومعدلات الاستنزاف، وأعمار الخزانات الجوفية، إضافة إلى تغيّر أنماط الهطول والمناخ. ونقص الكمية يفضي إلى آثار مادية جلية، مثل هبوط التربة، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وانحلال النظم البيئية. وتتجلّى مظاهره في ثلاثة أقسام رئيسة:

أ) استنزاف المياه الجوفيّة

تُخزَّن المياه الجوفيّة في الطبقات الصخريّة الحاملة للمياه (Aquifers)، وتتجدّد عادةً ببطء عبر تسرب الأمطار وذوبان الثلوج. فإذا تجاوز معدل السحب من الآبار معدّل التجدد الطبيعيّ للخزان، انخفض منسوب المياه تدريجيًّا حتى تجفّ الآبار(9). وتترتّب على ذلك آثار وخيمة: هبوط الأرض، تملّح المياه الجوفيّة في المناطق الساحليّة، وزوال الغطاء النباتيّ المعتمد عليها. إنّه موت تدريجيّ، حتميّ، وعسير التعويض في المدى الزمنيّ البشريّ.

ب) جفاف الأنهار

تجفّ الأنهار لأسباب متعدّدة، منها: تغيّرات المناخ (نقص الأمطار، ازدياد التبخّر)، بناء السدود العشوائيّة التي توقف تدفّق المياه، والإفراط في استهلاكها للزراعة أو العمران(10). وحين يجفّ نهرٌ، لا تندثر النظم البيئيّة المرتبطة به (كالأسماك والطيور) فحسب، بل تُصاب المجتمعات البشريّة بأزمات خانقة. كما يؤدّي جفاف الأنهار إلى تراجع رطوبة التربة المحيطة وتصاعد وتيرة التصحّر.

ج) اندثار المستنقعات

تُعدّ المستنقعات والأهوار من أهمّ النظم البيئيّة؛ فهي تنقّي المياه، وتضبط الفيضانات، وتغذّي الخزانات الجوفيّة، وتؤمّن المأوى للتنوّع الأحيائيّ(11). غير أنّ تجفيفها لأغراض زراعيّة أو عمرانيّة يفضي إلى اندثارها، وهو بمثابة خسارة كبرى للخدمات البيئيّة، وتداعيات مدمّرة على التنوع البيولوجي وموارد المياه.

القسم الثالث: الموت الاجتماعيّ

هذا البعد من (موت الماء) لا يتصل بجوهر الماء ذاته بقدر ما يتصل بكيفية إدارته وإمكانية الوصول إليه. فالماء موجود حضوراً فيزيائياً، لكنه يُحجب عن الناس بالاحتكار، أو يُهدر بسوء الحوكمة، أو يُستأثر به على حساب الصالح العام. وهو يرتبط بتوزيع الماء بين أفراد المجتمع وفئاته، وبحقوق الأجيال القادمة، وبسياسات التسعير والملكية والاحتكار. وغياب العدالة في هذا المجال يحوّل أزمة الماء إلى محنة أخلاقية وقانونية واجتماعية، تتداخل فيها مسؤوليات الفرد والدولة والجماعة. وهنا يتجلّى موت العدالة المائيّة.

أ) الاحتكار

حين تُحتكر السيطرة على منابع الماء من قِبَل فئةٍ أو شركةٍ أو دولة، يُحرم غيرهم من حقّهم الطبيعيّ في هذا المورد(12). تتولّد عن ذلك فوارق طبقيّة حادّة، وصراعات اجتماعيّة، بل وأزمات إنسانيّة. فقد تحتكر شركة كبرى آبار منطقة ما وتبيع الماء بأسعار باهظة، أو تتحكّم دولةٌ في أعالي النهر بتدفّق المياه فتُعرِّض الدول الواقعة في مجراه الأدنى للعطش. إنه موتٌ للوصول العادل، تُطفَأ فيه حياة أحياء كثيرة عطشًا.

ب) سوء الحوكمة

تشمل الحوكمة الضعيفة للمياه مظاهر متعدّدة: فسادٌ، تخطيطٌ غير فعّال، غياب الشفافيّة، واستبعاد المجتمعات المحليّة من المشاركة في القرار(13). وفي مثل هذه السياقات قد تُهدر المياه حتّى في المناطق الغنيّة بها، ويُساء توزيعها، وتتفاقم الملوّثات، ويغيب تطوير البنية التحتيّة اللازمة لتأمين مياهٍ نظيفة وكافية. والنتيجة: أزمات اجتماعيّة، استياء عامّ، وهجرات سكّانيّة قسريّة.

ج) الاستئثار بالموارد المشتركة

تُعتبر الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفيّة من (المشاعات) التي ينبغي أن تُدار بروح المشاركة والاستدامة(14). غير أنّ استئثار الأفراد أو الجماعات بهذه الموارد، عبر البناء غير القانونيّ على ضفاف الأنهار أو الضخّ المفرط لمشاريع خاصّة، يُفضي إلى سلب الآخرين حقوقهم المائيّة. فيتولّد عن ذلك صراع اجتماعيّ، ويحدث تدهور بيئيّ طويل الأمد.

وعليه، فإنّ (موت الماء) ليس مجرّد أزمة بيئيّة، بل مأساة حضاريّة متعدّدة الأبعاد؛ علميّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة. وفهم هذه الأبعاد يكشف لنا أنّ حماية الماء ليست خيارًا تنمويًّا فحسب، بل هي شرط وجوديّ لبقاء الحياة واستمرار العمران.

المحور الثاني: حكم الموضوع

الماء روح الحياة وعماد بقائها، به يقوم الفرد والمجتمع، وتمتد به الأعمار وتتواصل الأجيال. فإذا زهق الماء، فُقدت الأنفاس، وخمدت الأرواح، وزال عمران الديار، واندثر مدار الأعصار. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، وقد قال الإمام الطبرسي في تفسيره للآية: «وقيل: معناه: وجعلنا من الماء حياة كل ذي روح، ونماء كل نام، فيدخل فيه الحيوان والنبات والأشجار»(15). لذلك، الحديث عن (موت الماء) ليس حديثًا عن سائل جارٍ أو نبع غائرٍ، بل هو كلام في مصير الإنسان، وحكمه حكم الدماء والأبدان.

في مقام البحث عن الحكم الشرعي لهذه الظاهرة، يركز على الأفعال التي يقوم بها الأفراد أو الحكومات أو أيّ مجموعة اجتماعية، والتي إذا تجمّعت وانضمّ بعضها إلى بعض أدّت في مآلها إلى إحداث أضرارٍ تُفضي إلى موت الماء، سواء أكان موتاً وجودياً بفقدانه وانعدامه، أم موتاً وظيفياً بتعطيل أدواره الحيوية.

والسؤال المطروح: هل تُحكم هذه الأفعال بالحرمة أم لا؟

وبأيّ دليل؟

وإذا تأمّلنا في الموضوع تبيّن أنّ المقصود ليس مجرّد استهلاك الماء أو تقليل مقداره، بل فناؤه على أحد الوجوه التي تقدّم بيانها. وفي هذه الحال تكون الضربة على الإنسان وحياته ضربةً مروّعة. ومن ثَمّ فالحكم في هذه المسألة ظاهرٌ لا يحتمل الترديد: فكلّ فعلٍ يفضي إلى موت الماء حرامٌ شديد، إذ إنّ حياة الإنسان مرهونةٌ بالماء، وموتَه موتُ جماعاتٍ وجيلٍ بعد جيل.

أولاً: حكم الفعاليات المنتهية إلى الموت الوظيفي أو الوجودي للماء

الأدلة على الحرمة كثيرة ومتنوّعة، غير أنّه نكتفي هنا على التمسّك بدليل واحد منها لتوضيح الموقف الفقهي، وهو دليل قاعدة لا ضرر، والتي ثبتت على أساس قول النبي9: «لا ضرر ولا ضرار» وقد ورد الحديث من طريق كل من أهل السنة(16) والإمامية(17)

وتقريب الاستدلال بهذه القاعدة يتم عبر البيان التالي:

من أبرز الأسئلة التي تطرح نفسها في فقه البيئة: هل تمتد قاعدة «لا ضرر» لتشمل الأضرارَ البيئية المركّبة والمتراكمة، بحيث تتحوّل إلى مظلّة فقهيةٍ قادرةٍ على إنتاج حكمٍ قاطعٍ بالتحريم في مواجهة هذه الكوارث؟ إنّ هذا السؤال يفتح أُفقاً رحباً لفهم القاعدة في بعدها الكوني، لا في بعدها الفردي الضيّق.

تحديد محل البحث

إنّ الضرر في المجال البيئي يتنوّع إلى صنفين رئيسين:

أ. الضرر الفوري المباشر: وهو ما يقع أثرُه في لحظته، كإلقاء السموم في النهر، فيموت الكائن المائي فوراً، ويظهر الضرر للعيان بلا لبس.

ب. الضرر التدريجي التراكمي: وهو ما يسري في صمتٍ عبر الزمن، كتراكم البلاستيك في التربة والبحار، أو تكاثر الانبعاثات الملوِّثة في الجو، حيث لا يُدرك أثره في اليوم والساعة، بل يَتجلّى عبر الأعوام وتعاقب الأجيال.

والمقصود بالبحث هنا هو الصنف الثاني؛ لأنّ الأول بيِّن الحرمة ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل، بينما الثاني يتطلّب استدلالاً فقهيّاً خاصاً.

ماهية الضرر التراكمي

الأضرار التراكمية تقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

أ. فعلٌ فرديٌّ صغير يتكرّر على نطاقٍ واسع.

ب. زمنٌ ممتدّ يُضاعف الآثارَ السلبية تدريجاً.

ج. سُنن طبيعية تستجيب بالفعل البشري بآثارٍ متعاظمة، كهبوط الأرض نتيجة الاستنزاف المائي، أو اختناق الأجواء نتيجة تراكم الدخان.

وباجتماع هذه العناصر يتكوّن خطرٌ عظيم لا يقف عند حدود الفرد بل يطال المجتمع والأجيال المقبلة.

مثال تطبيقي

لو حفر شخصٌ بئراً عميقاً واستخرج ماءً جوفيّاً، قد لا يظهر ضررٌ محسوس من فعله منفرداً. ولكن حين يُكرَّر هذا السلوك من قبل مئات الأفراد، ينخفض منسوب المياه الجوفية بلا شكّ، وتهبط التربة، وتضطرب حياة المجتمع بأسره. كذلك الحال في إلقاء قطعة بلاستيك في الأرض، فإنها منفردة لا تُرى مضِرّة، ولكن تراكمها عبر الزمان والأعداد يحوّلها إلى كارثة بيئية كبرى.

الاستدلال بشمول القاعدة

لإثبات شمول قاعدة «لا ضرر» لهذا النمط من الأضرار، يمكن بناء الاستدلال على المقدمات الآتية:

  1. الضرر التراكمي ضررٌ شرعي محقَّق، لِما يترتّب عليه من آثار محسوسة كهبوط التربة وشحّ المياه وتلوّث الهواء، وهذه يعود ضررها على أفراد المجتمع.
  2. مناط الحرمة في القاعدة هو تحقّق الضرر في الواقع لا صورة تحقّقه.

إذا كان الشارع لا يقرّ بضررٍ صغيرٍ بين شخصين، فمن الأولى أن لا يسكت عن ضررٍ عظيمٍ يفتك بجماعاتٍ وأجيال. وأي ضرر أعظم من أن يفضي الفعل إلى هلاك الأرواح وإبادة المجتمعات، سواء أكان الضرر عاجلاً أم آجلاً.

  1. النصّ القرآني يُحمِّل الإنسان مسؤولية الخراب الكوني: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ(18)، مما يدلّ على أنّ فساد البيئة من آثار الأفعال البشرية.
  2. الأضرار التراكمية لا تُعزى إلى فردٍ معيّن، بل هي نتاج سلوكٍ جمعي، وعليه فالمسؤولية جماعية.
  3. بما أنّ الضرر في هذا السياق جسيمٌ ومدمّر، فلا يُتصوَّر أن يُترك في دائرة الكراهة؛ بل مقتضى القاعدة هو التحريم القطعي.

النتيجة

بناءً على ذلك، فإنّ كل فعلٍ فرديٍّ يسهم ـ ضمن السياق الجمعي ـ في إحداث ضررٍ تراكميٍّ مدمّرٍ بالبيئة، يدخل في إطار التحريم الشرعي.

الأثر العملي

القول بالحرمة لا يبقى نظرياً، بل يفرض نفسه في ميادين متعددة:

  • على المشرّعين أن يصوغوا القوانين الرادعة.
  • وعلى المثقفين والإعلام أن يبنوا ثقافةً بيئيةً واعية.
  • وعلى صنّاع القرار أن يضعوا السياسات الوقائية.
  • وعلى المؤسّسات العلميّة ـ جامعاتٍ وحوزات ـ أن تدخل في خطّ الدفاع الفقهيّ والمعرفيّ عن البيئة.

وبذلك تصبح قاعدة «لا ضرر» أداةً فعّالةً في مواجهة أخطر التحديات البيئية المعاصرة، بما فيها الكوارث التراكمية التي تنذر بموت الماء وتدمير مقوّمات الحياة.

ثانياً: حكم الفعاليات المنتهية إلى الموت الاجتماعي للماء

إنّ الحديث عن الموت الاجتماعي للماء حديث بالغ الدقّة والتعقيد، خصوصاً في المجتمعات المعاصرة حيث يتزايد عدد السكان بوتيرة متسارعة، فيما تتراجع الموارد المائية وتشتدّ ندرتها. ومن هنا تتكشّف مظاهر الموت الاجتماعي في صور متعدّدة، أبرزها: السياسات الجائرة التي تحجب الماء عن شعوبٍ أو مناطق بأكملها، والثقافات الاستهلاكية غير الرشيدة التي يغلب عليها طابع الإسراف واللااعتدال. وهكذا يصبح الماء مسلوب العدالة والحقوق في آنٍ معاً، ويتحوّل الموت الاجتماعي إلى ثمرة تفاعلٍ مزدوج: بين ظلم السياسة من جهة، وانفلات ثقافة الاستهلاك من جهة أُخرى. وهو ما يمثّل أحد أخطر التحدّيات الأخلاقية والفقهية في عصرنا الراهن.

ومن أجل مقاربة هذا البُعد، يمكن الحديث في محورين رئيسين:

السياسات والاحتكارات المائية

إذا قامت دولة أو حكومة أو أيّ مجموعة منظَّمة بعمل يؤدّي إلى حجب الماء عن فردٍ أو جماعةٍ أو مدينةٍ أو إقليمٍ أو حتى عن دولة بأكملها، فإنّ الحكم في هذه الصورة واضح جليّ. ذلك أنّ النبي الأكرم 9قرّر قاعدة شرعيّة عامة بقوله: «الناس شركاء في ثلاث: الماء،...»، فجعل الماء حقّاً مشتركاً للبشر جميعاً، لا يُختصّ بمالكٍ ولا يُحتكَر بيد سلطةٍ أو فئة. وعليه، فإنّ أيّ سياسة، من قبيل بناء السدود التي تمنع جريان الماء إلى من هم في حاجة إليه، أو الممارسات الاحتكارية التي تحجبه عن الآخرين، تُعَدّ ظلماً صريحاً محرّماً بالشريعة. بل إنّ الوعي، والارتكاز العقلائي البشري العام يعضدان هذا الحكم، إذ تحوّل حقّ الإنسان في الماء إلى يقينٍ كونيٍّ راسخ لا يُتصوَّر معه عدل اجتماعي في غياب النفاذ العادل إلى هذا المورد. ومن ثمّ، فالظلم في هذا المجال موسوم بطابع قطعي لا يقبل التبرير ولا التسويغ.

الإفراط الاستهلاكي وثقافة الإسراف

أمّا إذا لم يكن هناك احتكار مباشر، بل نشأت ثقافة استهلاكيّة تقوم على الإفراط في استعمال الماء بما يتجاوز حدود الحاجة، فإنّ هذه الظاهرة تنتهي بدورها إلى ظلم اجتماعي. ذلك أنّ إفراط مدينةٍ كاملة أو طبقةٍ متمكّنة في استهلاك الماء يحرم غيرهم من حقّهم المشروع في الوصول إليه، فيكون هذا ظلماً بيّناً، وإن لم يتّخذ صورة سياسة رسميّة أو قرارٍ حكومي. وهذا اللون من الظلم أخفى أثراً لكنه لا يقلّ خطورة عن الاحتكار السياسي؛ لأنّ نتيجته واحدة: حرمان الناس من حقّهم الطبيعي في الماء. بل إنّ المشاركة في ثقافة أو سلوك جماعي يؤدّي إلى هذا الحرمان تُعدّ شكلاً من أشكال التعاون على العدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ومن هنا، فإنّ مسؤولية المجتمع في ترشيد الاستهلاك وضبط الاستعمال عند حدّ الضرورة، لا تقلّ وجوباً شرعياً وأخلاقياً عن مسؤولية الدولة في منع الاحتكار وصيانة العدالة المائية.


الهوامش

المصادر والمراجع:

العربية:

  1. سنن الدارقطني، الدارقطني علي بن عمر، تعليق وتخريج: مجدي بن منصور سيد الشوري، ط. الأُولى، 1417 هـ/1996 م، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
  2. الكافي، محمد بن يعقوب الرازي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط. الثالثة، 1367هـ.ش، دار الكتب الإسلامية ـ‌ طهران.
  3. المبسوط في فقه الإمامية، الطوسي محمد بن الحسن، تصحيح وتعليق: محمد الباقر البهبودي، الناشر: المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية.
  4. مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي الفضل بن الحسن، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، ط. الأُولى، 1415 هـ/1995 م، تقديم: السيد محسن الأمين العاملي، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.

الأجنبية:

  1. Chapman, D. (ed.). Water Quality Assessments. WHO/UNEP, 1996.
  2. Alloway, B. J., & Ayres, D. C. Chemical Principles of Environmental Pollution. Springer, 1997.
  3. Schwarzenbach, R. P., et al. The challenge of micropollutants in aquatic systems. Science, 2006.
  4. UNESCO. Water Quality and Wastewater. UNESCO WWAP, 2018.
  5. Rengasamy, P. Soil processes affecting crop production in salt-affected soils. Functional Plant Biology, 2010.
  6. Gleeson, T., et al. Groundwater sustainability strategies. Nature Geoscience, 2020.
  7. Grill, G., et al. Mapping the world’s free-flowing rivers. Nature, 2019.
  8. Mitsch, W. J., & Gosselink, J. G. Wetlands. Wiley, 2015.
  9. Mehta, L. Water, Equity and Development. Routledge, 2014.
  10. UNDP. Water Governance Facility: Human Development Report. United Nations Development Programme, 2013.
  11. Ostrom, E. Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge University Press, 1991

الهوامش

  1. (*) عضو مجلس خبراء القيادة، وأُستاذ دروس السطوح العالية في الحوزة العلمية ـ قم.
  2. ()الطوسي، المبسوط: 3/281.
  3. () سورة المائدة، الآية: 2.
  4. () Chapman, D. (ed.). Water Quality Assessments. WHO/UNEP, 1996.
  5. () Alloway, B. J., & Ayres, D. C. Chemical Principles of Environmental Pollution. Springer, 1997.
  6. () Schwarzenbach, R. P., et al. The challenge of micropollutants in aquatic systems. Science, 2006.
  7. () UNESCO. Water Quality and Wastewater. UNESCO WWAP, 2018.
  8. () Rengasamy, P. Soil processes affecting crop production in salt-affected soils. Functional Plant Biology, 2010.
  9. () Gleeson, T., et al. Groundwater sustainability strategies. Nature Geoscience, 2020.
  10. () Grill, G., et al. Mapping the world’s free-flowing rivers. Nature, 2019.
  11. () Mitsch, W. J., & Gosselink, J. G. Wetlands. Wiley, 2015.
  12. () Mehta, L. Water, Equity and Development. Routledge, 2014.
  13. () UNDP. Water Governance Facility: Human Development Report. United Nations Development Programme, 2013.
  14. () Ostrom, E. Governing the Commons: The Evolution of Institutions for Collective Action. Cambridge University Press, 1990.
  15. () الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج 7، ص 82.
  16. () الدارقطني، سنن الدارقطني، ج 5، ص 407.
  17. () الكليني، الكافي، ج ٥، ص ٢٩٤.
  18. () سورة الروم، الآية: 41.
نهاية البحث